تفيض النفوس العائدة دفئاً في ملامح الأرض العتيقة، وينبثون في مفاصل المدى مثل بذور أمل عاندت الريح طويلاً لتورق عمراً جديداً. يتوزعون على أوعية جمعت أحلامهم بين الحطام وعلى أرصفة الدمار، ينهمرون كالمطر يصب على لهيب الدهر وحر مأساته، مدفوعين بشوق جارف لعبير لم يهدأ؛ عبير يبحث عن خلية الياسمين التي صمدت بعناد على مدخل البيت العتيق، وانسلت تقهر القذائف ببريق ألوان أزهارها الجميلة. يعودون كنداء يتردد صداه عبر الزمن، يفترشون الأرض والأرض تجمعهم في عناق دافئ، يخطون نحو ديارهم وفي جعبتهم حكايات صاغتها السنون، تتهادى خطاهم فوق تراب طالما تشرّب ملامحهم، ليعيدوا صياغة الحياة من رحم الركام، ويبعثوا في الأرجاء نبضاً يتجاوز تلك الندوب الرهيبة التي خلّفتها المحن على وجه القرى الوادعة. هناك، حيث تترسخ معالم الوجود في عمق التلال الساكنة، ينهض وعي متجذر في وجدان أصيل يأبى الأفول؛ يستمد من إرثه العريق قوة تنساب في العروق، لتصنع من رماد الفقد غداً مشرقاً يرفض الانكسار، ويشرع النوافذ نحو آفاق الحضارة والرفعة.
عودة الى اليقين
يمشون نحو مرابعهم الأولى، يحملون الشوق ندىً للأيام ودمعاً حاراً على رحيل الأحبة، يقتفون أثر الضوء في زوايا البيوت التي احتضنت يوماً ضحكاتهم وصورهم التي عاث فيها غبار الفاجعة. وبينما حاولت آلات المحو طمس معالم الذاكرة الممتدة، يفوح من جنبات الصخر الصلد عبير الحنين، عابقاً بطيوف غابت وبقيت أرواحها تحرس السفوح والوديان العتيقة التي تردد صدى الذكريات الغابرة. إنه انبعاث الهوية من جديد، حيث يتحدى الحب كل محاولات المحو والنسيان.
إنها عودة الغرس إلى تربته الحاضنة، عودة لا تبحث عن اليقين والأمان إلا في ذلك اللقاء الحميم مع الأرض؛ فثمة طمأنينة وسكينة لا تدركها النفوس إلا في أعماق هذا الوجدان، حتى وإن وسّدت الأيام أهلها الصبر فوق الدور المهدمة، والتحفوا برماد الأمكنة وجراح المصائر المجهولة. ففي عمق هذا الثبات الصامت، تولد العزيمة التي لا تلين، ويعلن الإنسان انتصاره على الدمار، متمسكاً بأرضه كجزء لا يتجزأ من روحه وكيانه.
الالتزام بالأرض
نعود ونحن نحمل في جباهنا عزة شامخة، وعلى شفاهنا كلمات تعجز اللغات عن وصف فخرها، تلهج بكوننا جنوبيين، حيث العيون تلمع بماء المعين الصافي، ويتهادى الموج وئيداً على شواطئ الساحل ليتلقى قطاف العمر، وحيث عبير الليمون وأريجه يلف الوجود بهالة من طهر ونقاء، في وطن ينبض بالحب والعطاء ويفيض بسيل الكرامة؛ يعودون وعلى رؤوسهم عمائم الوجد والالتزام بالأرض، يعودون فلا الشمس ترهقهم في ثقل أمانتهم، ولا المشاق تثني عزائمهم، فمهما غلت التضحيات وهانت في سبيلها الأنفس، يبقى الجنوب أرضاً وروحاً وسماءً ودعاءً وصلاةً، ونغماً علوياً يؤذن للملأ بأجود السير، وأنقى الحكايات، وأجمل العبر والدروس الإنسانية.

