فيما صدق الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إعلانه قبل أيام اقتراب التوصل إلى اتفاق مع إيران، وجد لبنان نفسه مجدداً في قلب تسوية إقليمية لم يشارك في صياغتها، لكنه سيكون من أكثر المتأثرين بنتائجها. فمذكرة التفاهم التي أُعلن عنها فجراً بين واشنطن وطهران، وكشف رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بعض معالمها، فتحت الباب أمام وقف شامل للعمليات العسكرية على مختلف الجبهات، بينها الجبهة اللبنانية، وأطلقت مرحلة اختبار تمتد ستين يوماً قبل موعد التوقيع النهائي المرتقب الجمعة المقبلة.
غير أن لبنان، الذي دفع أثمان الحرب دماراً ونزوحاً وخسائر بشرية واقتصادية باهظة نتيجة ارتباط ساحته بالصراع الإقليمي، لم يتبلغ حتى الساعة تفاصيل الاتفاق وبنوده وآليات تنفيذه، الأمر الذي لم يمنع المسؤولين اللبنانيين من المسارعة إلى الترحيب به، على أمل أن يشكل بداية فعلية لنهاية الحرب وعودة الاستقرار إلى البلاد.
عون: استقرار لبنان جزء من استقرار المنطقة
رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون اعتبر أن مذكرة التفاهم تحمل اعترافاً بأهمية الساحة اللبنانية ضمن أي مسعى جدي لترسيخ الاستقرار الإقليمي، مشيراً إلى أن اللبنانيين الذين تحملوا أعباء الأشهر الماضية يتطلعون إلى أن تتحول هذه التفاهمات إلى خطوات عملية تضع حداً نهائياً لدوامة العنف وتؤسس لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
وأكد عون أن احترام خصوصية لبنان وحفظ أمنه وسيادته يجب أن يكونا جزءاً أساسياً من أي تسوية إقليمية، متوجهاً بالشكر إلى الدول والجهات التي أسهمت في إنجاز المذكرة والعمل على تضمين لبنان في الجهود الرامية إلى إنهاء التصعيد.
بري: بند ملزم لوقف العدوان
أما رئيس مجلس النواب نبيه بري، فأشاد بالتفاهم المعلن، منوهاً بالجهود التي بذلتها باكستان وقطر والسعودية ومصر للوصول إليه، معتبراً أن ما تضمنه من بنود يؤسس لإرساء دعائم الأمن والاستقرار في المنطقة ولبنان.
وأشار بري إلى أن الاتفاق يتضمن بنداً أساسياً وملزماً يقضي بوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان بما يحفظ سيادته على كامل أراضيه، داعياً إلى عدم الوقوع في ما وصفه بـ”الفخ السياسي” الذي نصبه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
سلام: فرصة لإنهاء الحرب
من جهته، رأى رئيس الحكومة نواف سلام أن الإعلان عن وقف إطلاق النار قد يشكل فرصة حقيقية لوضع حد للحرب التي فُرضت على لبنان، مؤكداً أن الحكومة ستضاعف جهودها في المفاوضات الجارية في واشنطن لتأمين الانسحاب الإسرائيلي الكامل والإفراج عن الأسرى اللبنانيين.
كما شدد على أن المرحلة المقبلة تتطلب تكثيف العمل مع الدول الشقيقة والصديقة لتأمين مستلزمات إعادة الإعمار وتهيئة الظروف المناسبة لعودة النازحين إلى مناطقهم بأمان وكرامة.
حزب الله: لا عودة إلى ما قبل الثاني من آذار
في المقابل، سارع حزب الله إلى مباركة الاتفاق، واصفاً إياه بـ”الإنجاز الكبير” للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومعتبراً أن وقف إطلاق النار يشكل مقدمة لاستكمال مسار التحرير الكامل وعودة الأسرى وإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
وأكد الحزب أن “لا عودة إلى ما قبل الثاني من آذار”، مشدداً على تمسكه بحق لبنان في الدفاع عن أرضه وسيادته، وداعياً الأهالي في الوقت نفسه إلى التريث وعدم العودة العشوائية إلى القرى الحدودية تحسباً لأي خروقات إسرائيلية محتملة.
إسرائيل تبدد التفاؤل: لا انسحاب من الجنوب
لكن أجواء الترحيب اللبنانية اصطدمت سريعاً بالموقف الإسرائيلي. فقد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الجيش الإسرائيلي سيواصل البقاء في المناطق الأمنية داخل لبنان وسوريا وغزة من دون سقف زمني، بذريعة حماية المستوطنات الإسرائيلية ومنع تكرار هجمات السابع من تشرين الأول.
وأكد كاتس رفض إسرائيل الانسحاب من الجنوب اللبناني رغم الضغوط المتوقعة، كاشفاً أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أبلغ هذا الموقف للرئيس الأميركي دونالد ترامب وكبار المسؤولين في الإدارة الأميركية.
ويطرح هذا الموقف علامات استفهام جوهرية حول مدى قدرة مذكرة التفاهم على فرض وقائع جديدة على الأرض، في ظل التناقض الواضح بين من يعتبرها مدخلاً لإنهاء الحرب، ومن يتعامل معها باعتبارها لا تلغي حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية.
عودة حذرة… وتحذيرات من المجازفة
وعلى وقع الإعلان عن الاتفاق، بدأت قوافل محدودة من النازحين بالتوجه نحو الجنوب، وسُجلت حركة سير كثيفة على الأوتوستراد الساحلي عند الرميلة، بوابة الجنوب، رغم دعوات الثنائي الشيعي إلى التريث.
كما دعت قيادة الجيش اللبناني الأهالي إلى عدم التسرع في العودة إلى القرى الحدودية والالتزام بتوجيهات الوحدات العسكرية المنتشرة حفاظاً على سلامتهم، محذرة من مخاطر الخروقات الإسرائيلية ومن الذخائر غير المنفجرة والأجسام المشبوهة المنتشرة في المناطق المستهدفة.
هدنة تحت الاختبار
ميدانياً، تراجعت وتيرة العمليات العسكرية من دون أن تتوقف بالكامل. فقد سُجل قصف مدفعي إسرائيلي استهدف شوكين والنبطية الفوقا وكفرتبنيت وكفررمان، فيما نفذت مسيّرة إسرائيلية غارة على سيارة في بلدة كفرتبنيت، في مؤشر إلى أن الهدوء لا يزال هشاً وقابلاً للاهتزاز في أي لحظة.
وبين ترحيب رسمي واسع، واحتفاء حزبي واضح، وتشدد إسرائيلي لا يشي بانسحاب قريب، يدخل لبنان مرحلة جديدة عنوانها الانتظار. فالأيام الستون المقبلة لن تكون مجرد فترة تقنية تسبق التوقيع النهائي، بل اختباراً فعلياً لمعرفة ما إذا كانت مذكرة التفاهم ستشكل بداية الخروج من الحرب، أم أنها ليست سوى هدنة مؤقتة في نزاع لم تُحسم شروط نهايته بعد.

