تكشف الاعتداءات الإيرانية المتكررة على الكويت، وما تبعها من إدانات عربية واضحة، أن نظام ولاية الفقيه لا يتعامل مع التهدئة والمفاوضات بوصفهما مساراً لإنهاء الأزمة، بل كغطاء لإدارة التصعيد ورفع كلفة الضغط عليه. فبينما تتحدث طهران عن الاتفاق والديبلوماسية، تتحرك في الميدان عبر الصواريخ والمسيّرات والتهديدات العابرة للحدود، في محاولة لإيصال رسالة مزدوجة: لا استقرار في الخليج من دون ثمن سياسي يُدفع للنظام.
ردود الفعل العربية، ولا سيما من اليمن وسلطنة عمان والأردن، لم تكن مجرد بيانات تضامن تقليدية مع الكويت، بل عكست إدراكاً أوسع لطبيعة الخطر. فإدانة الاعتداءات بوصفها انتهاكاً لسيادة الكويت، وخرقاً للقانون الدولي، وتهديداً لأمن المنطقة، تعني أن العواصم العربية ترى في السلوك الإيراني خطراً يتجاوز حدود حادثة عسكرية منفردة. إن المسألة لا تتعلق بالكويت وحدها، بل بنمط ثابت من استخدام القوة والميليشيات والتهديدات البحرية لإرباك المنطقة وابتزاز المجتمع الدولي.
استراتيجياً، يمكن فهم هذه الهجمات في سياق ثلاثة أهداف للنظام الإيراني. الأول هو محاولة استعادة الردع بعد الضربات الأميركية التي استهدفت مواقع رادارية ومراكز قيادة وسيطرة للمسيّرات داخل إيران. فالنظام يريد أن يقول إن استهداف قدراته لن يمر من دون رد، لكنه يحرص على أن يكون الرد محسوباً، كي لا يتحول إلى حرب شاملة لا يستطيع تحملها. لذلك يختار ساحات الضغط غير المباشر، ومنها دول الخليج، لتوسيع دائرة الكلفة من دون إعلان مواجهة كاملة.
الهدف الثاني هو الضغط على المفاوضات. فالتصعيد ضد الكويت يأتي في وقت تتحدث فيه واشنطن عن أن طهران تريد اتفاقاً بشدة. هذا التزامن مهم؛ لأنه يكشف أن النظام لا يفاوض بمنطق التسوية، بل بمنطق الابتزاز: يطلب تخفيف الضغط، لكنه يلوّح في الوقت نفسه بإشعال الخليج إذا لم يحصل على ما يريد. بهذا المعنى، تصبح الهجمات جزءاً من لغة التفاوض الإيرانية، لا خروجاً عليها.
أما الهدف الثالث، فهو إدارة الداخل الإيراني. فالنظام الذي يواجه أزمة اقتصادية خانقة، وغضباً اجتماعياً متزايداً، وتصدعاً داخل أجنحته، يحتاج دائماً إلى تهديد خارجي يبرر القمع، ويؤجل مواجهة الأسئلة الداخلية. كلما ضاقت عليه الحلقة في الداخل، حاول تصدير الأزمة إلى الخارج، سواء عبر مضيق هرمز، أو عبر الميليشيات، أو عبر استهداف دول الجوار.
من هنا تكتسب مواقف المقاومة الإيرانية أهمية خاصة. فقد أكدت المقاومة منذ سنوات أن هذا النظام ليس عامل استقرار يمكن احتواؤه بالمساومة، بل مصدر دائم للحرب والتدخل والابتزاز. فالحرس الثوري لم يكن يوماً قوة دفاعية طبيعية، بل أداة لتصدير الأزمة، وتهديد الجوار، وقمع الداخل في آن واحد. ولذلك فإن الاعتداءات على الكويت تؤكد مجدداً صحة التحذير القديم: كل سياسة تقوم على استرضاء النظام لا تؤدي إلى اعتداله، بل إلى تشجيعه على مزيد من العدوان.
المطلوب اليوم ليس الاكتفاء ببيانات الإدانة، رغم أهميتها، بل بناء موقف عربي ودولي أكثر حزماً يربط بين حماية سيادة دول الخليج، وحرية الملاحة، ومحاسبة الحرس الثوري، ورفض منح النظام مكافآت سياسية على سلوكه العدواني. فالتجربة أثبتت أن طهران تفهم التراجع كضوء أخضر، وتقرأ الصمت كضعف.
الخلاصة أن الهجمات على الكويت ليست حادثاً معزولاً، بل فصل جديد من استراتيجية نظام يعيش على الأزمات. إنه يفاوض لأنه مضغوط، ويهاجم لأنه خائف، ويهدد لأنه لا يملك حلاً داخلياً. لذلك فإن أمن الخليج لن يتحقق عبر مساومات جزئية مع طهران، بل عبر سياسة حازمة تكف يد الحرس الثوري، وتدعم حق الشعب الإيراني ومقاومته في إنهاء مصدر الحرب من جذوره.

