حين يصير الإيمان رغبة ارتحال عن العالم

وجيه قانصو

الإيمان حالة أشدّ حميمية في الإنسان، لا يقبل المنازعة ولا يحتاج إلى دليل، بل يتجاهله ويستمر ويشتد على الرغم من الأدلة المضادة. هو إيمان لأنه، تحديدًا، بلا دليل، كونه مدفوعًا بحاجات وجدانية أو قلق وجودي يمنح الشخص الطمأنينة والمعنى، ويعتمده للتغلب على الهشاشة، وربما العدمية التي تحيط به من كل جانب، فتساعده على تجاوز المخاوف والقلق واللايقين، ومواجهة مستقبل مجهول أو أوضاع عسيرة. هو، أي الإيمان، قوة تثبيت في الأزمات تمنح إحساسًا بوجود شيء راسخ ومضمون مهما حدث.

بقدر ما يكون الإيمان أهمّ أشكال الأمان لدى الإنسان، فهو أخطرها أيضًا لكونه الأداة الأكثر تأثيرًا في الناس، ويغدو أكثر السلع طلبًا في سوق التاريخ الإنساني، حيث “آلهة كثيرة (يقصد بها أنظومات الاعتقاد) تنتظر أن يؤمن بها البشر”، بحسب تعبير تيري برادشت. فللإيمان طرفان: طرف يتشبث به المؤمنون، يحتاجون فيه إلى آلهة لإشباع قلقهم وضعفهم وهشاشتهم، والطرف الآخر تتشبث به الآلهة (الأنظومات) لتنال أمنها ووجودها من خلال السيطرة الكاملة على البشر وأوضاعهم، لكونها تحتاج إلى مؤمنين يقبلونها بلا نقد أو مسعى للتوثق أو التفكر، مع حرصها على ألّا يعرف الناس حاجتها إليهم، كون ذلك سيضعها في موقف بالغ الحرج.

هشاشة الآلهة وهشاشة المؤمنين

هذا يعني أن هشاشة هذه الآلهة (الأنظومات) لا تقل هشاشة عن هشاشة مؤمنيها. فحفنة قليلة من الناس قد تجعل إلهًا، مرئيًا أو محسوسًا، ينبض بالحياة إذا آمنت به الناس بشدة. ويصبح هذا الإله، إذا جاز التعبير، قادرًا على مزاولة عمله، بالتحكم بحياتنا وأفعالنا ونظرتنا إلى الأشياء، ويُسهِّل علينا تحمّل مسؤولية ما نفعله، كون الفعل استجابة وتلبية لنداء هذا الإله والتسليم له والثقة الكاملة بوعوده.

بقدر ما يكون الإيمان أهمّ أشكال الأمان لدى الإنسان، فهو أخطرها أيضًا لكونه الأداة الأكثر تأثيرًا في الناس، ويغدو أكثر السلع طلبًا في سوق التاريخ الإنساني

بالمقابل، قد تصبح هذه الآلهة (الأنظومات) في وضعية حرجة حين تفقد جدواها، أو تخسر صدقية وعودها، ما يجعلها تضمحل وتضمر وتذبل، بل ترتكس وتنتكس داخل الأفراد والمجتمعات، لينتهي مفعولها وتنسحب بهدوء، فاسحةً المجال لآلهة (أنظومات) جديدة تخلفها وتحل محلها.

الخوف بوصفه محركًا للإيمان

ولأن إدراك الخطر يطغى على العقل ويأسر الذهن، فإن البشر أشد قابلية للتناغم مع الرسائل السلبية منها مع الرسائل الإيجابية، كون الخوف الماكر هو الذي يحكمنا، لا الأمل الوهمي، بحسب الشاعر الهنغاري يوجيف.

هذا يخلق في البشر ميلاً إلى استدعاء قوى لا يستطيعون السيطرة عليها، لكونهم عاجزين بأنفسهم عن السيطرة على غرائز خوفهم وجزعهم البدائي. هذا اللايقين والمخاوف المستيقظة يولدان فينا مشاعر الدونية ويخرجان هشاشتنا إلى السطح، ويتلفان فينا تلك القدرة على تبصّر مجريات الواقع بما هي عليه، ويميتان أيّة طاقة لهضم متغيراته أو التكيف معها.

الشعبوية وصناعة القطيعة مع الواقع

حالة الخوف واللايقين والارتباك هذه، يتغذى منها دائمًا الشعبويون والغوغائيون والطغاة والوحوش البشرية. لأنها تسهّل لهم التسلل على غفلة من الوعي اليقظ، وتمكنهم من تجذير وثوقيات مصطنعة وحقيقة مفبركة تؤجج حالة الخوف واللايقين لدى البشر، وتزرع شبكة تحكم وسيطرة بخيوط رفيعة وناعمة وراء خطوط المراقبة العقلية وحدس التحقق والتوثق.

لا تكون غاية ذلك رفع مستوى التفاعل مع الواقع والتنبه إلى تحدياته، وإنما الانفصام عنه وإحداث القطيعة معه. تنقلب معها الإوالات الطبيعية المزروعة في الإنسان لاستقبال الواقع والإقبال إليه والالتحام به، إلى اندفاع عبثي لمواجهته والتصدي له. ومع العجز عن إزالته أو إفنائه، تنقلب طاقة ذلك الاندفاع على صاحبها، لتتحول إلى إقفالة باطنية تقطع الصلة بهذا الواقع، ورغبة ارتحال فرحة عن هذا العالم، واندفاع مُستسارع وسعيد للخروج منه: إما بالجنون أو بالموت الطوعي.

حالة الخوف واللايقين والارتباك هذه، يتغذى منها دائمًا الشعبويون والغوغائيون والطغاة والوحوش البشرية. لأنها تسهّل لهم التسلل على غفلة من الوعي اليقظ، وتمكنهم من تجذير وثوقيات مصطنعة وحقيقة مفبركة تؤجج حالة الخوف واللايقين لدى البشر

الحاجة إلى السؤال داخل الإيمان

ما أقوله لا يختص بشعب مخصوص أو دين مخصوص. هي مشكلة إيمان يحتاج دائمًا أن يتطعّم بحفنة تراب من سؤال، فتحة شك تضيء عتمة اليقين، قدرة التفات من غفلة، يقظة من سبات، وعي بالعالم بما هو لا بما ينبغي، إدراك بوجود آخر مختلف يملك حقًا مساويًا في الوجود والمعنى والحقيقة، وفهم أن الذات الإنسانية ليست كيانًا منجزًا جاء إلى هذا العالم، بقدر ما هي ثمرته وتتشكّل به باستمرار.

السابق
تصعيد متسارع جنوباً… غارات على النبطية وإنذار إسرائيلي متجدّد للسكان
التالي
توغل إسرائيلي جديد في ريف القنيطرة وحاجز ميداني لتفتيش المدنيين