دخل التصعيد بين إسرائيل ولبنان مرحلة أكثر خطورة، مع انتقال المواجهة من سياسة “الاحتواء المتبادل” إلى سياسة الضغط بالنار المفتوحة. فإسرائيل التي تبدو غير مستعدة لإنهاء عملياتها العسكرية في لبنان، ترفع منسوب التصعيد الميداني والسياسي معاً، فيما يواصل حزب الله توسيع عملياته بالمسيّرات والصواريخ، في مشهد يعكس انهيار كل محاولات التهدئة التي سعت إليها الوساطات الدولية خلال الأسابيع الماضية.
الميدان يشتعل من الجنوب إلى البقاع، والدبلوماسية تبدو عاجزة عن لجم الانفجار. أما الداخل اللبناني، فيقف مرة جديدة أمام معادلة قاتلة: دولة تدعو إلى حماية اللبنانيين ومنع هدر الدماء، وحزب يرفض أي نقاش يمس “مشروعية المقاومة” أو سلاحها، فيما المدنيون يدفعون الثمن الأكبر.
تل أبيب: لا وقف للعمليات العسكرية
التطور الأخطر تمثل في المعلومات التي تحدثت عن رفض رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أي صيغة تفاوضية تتضمن إنهاء العمليات العسكرية داخل الأراضي اللبنانية. هذا الموقف لا يعكس فقط تشدداً تفاوضياً، بل يؤكد أن المؤسسة العسكرية والسياسية في إسرائيل تتعامل مع الجبهة اللبنانية باعتبارها ساحة مفتوحة وطويلة الأمد، لا مجرد جولة ضغط عابرة.
وفي خطوة تعكس الاستعداد لتوسيع العمليات، بدأت إسرائيل استدعاء جنود الاحتياط وأعادت تعبئة قوات سبق تسريحها خلال الأيام الماضية. كما أعلن الجيش الإسرائيلي منطقة رأس الناقورة منطقة عسكرية مغلقة حتى نهاية أيار، في مؤشر واضح إلى توقع تصعيد إضافي على الحدود الشمالية.
الرسالة الإسرائيلية باتت واضحة: لا قيود على حرية العمل العسكري، ولا التزام بأي تهدئة ما دام حزب الله يواصل إطلاق المسيّرات واستنزاف الجبهة الشمالية.
“الضوء الأخضر” الأميركي
الأخطر في المشهد ليس فقط التصعيد الإسرائيلي، بل ما كشفته التسريبات الإسرائيلية عن حصول الجيش على “ضوء أخضر” لتشديد الردود على مسيّرات حزب الله. وهذا يعني عملياً أن واشنطن، المنشغلة بمفاوضاتها مع إيران، لا تبدو في وارد ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل لوقف التصعيد في لبنان.
بل إن الإدارة الأميركية تحاول إدارة التوتر لا منعه، بحيث يبقى ضمن سقف لا يؤدي إلى حرب إقليمية شاملة، لكنه يسمح لإسرائيل بمواصلة استنزاف الحزب وضرب بنيته العسكرية.
هنا تكمن المفارقة القاسية: لبنان يتحول تدريجياً إلى ساحة تفاوض بالنار بين واشنطن وطهران، فيما الدولة اللبنانية تبدو شبه غائبة عن القدرة على فرض أي معادلة سيادية أو أمنية مستقلة.
الجنوب والبقاع تحت النار
ميدانياً، اتسعت رقعة الغارات الإسرائيلية بشكل غير مسبوق، مع تهديد مدينة النبطية وطلب إخلائها نحو شمال الزهراني، في مشهد يعيد إلى الأذهان إنذارات الحروب الكبرى لا العمليات الموضعية.
كما شهدت مناطق السلطانية ودير أنطار ومشغرة والقرعون سلسلة غارات عنيفة أدت إلى سقوط عشرات الضحايا والجرحى، بينهم أطفال ونساء، فيما استمرت عمليات حزب الله ضد مواقع الجيش الإسرائيلي ومستعمرات الشمال.
هذا التصعيد المتبادل يعكس حقيقة أساسية: لا إسرائيل قادرة على حسم المواجهة عسكرياً، ولا حزب الله مستعد للتراجع أو القبول بقواعد اشتباك جديدة. والنتيجة هي حرب استنزاف مفتوحة يدفع ثمنها اللبنانيون يومياً بالدم والنزوح والدمار.
عون: لا تهدروا دماء أولادنا
في خضم هذا المشهد الدموي، جاء موقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لافتاً من حيث توقيته ومضمونه. ففي رسالته لمناسبة عيد الأضحى، شدد على أن المعنى الأسمى للتضحية هو “ألا نهدر دماء أولادنا بل نصنع لهم الحياة”.
الكلام الرئاسي حمل بوضوح رسالة سياسية مبطنة ضد منطق تحويل لبنان إلى ساحة حرب دائمة. فالرئاسة تحاول التمسك بخيار الدولة وحماية المجتمع اللبناني من الانهيار الكامل، في وقت تتآكل فيه قدرة المؤسسات على ضبط إيقاع المواجهة.
لكن المشكلة أن خطاب الدولة يصطدم بواقع موازين القوى. فالحزب لا يزال يتصرف باعتباره صاحب القرار الاستراتيجي في الحرب والسلم، فيما السلطة الرسمية تبدو محصورة في موقع إدارة التداعيات الإنسانية والسياسية فقط.
حزب الله: السلاح “حق دستوري”
في المقابل، رفع حزب الله سقف خطابه السياسي، مؤكداً أن “المقاومة” ليست خروجاً على الدولة بل حق مشروع يحميه الدستور والمواثيق العربية والدولية.
البيان الذي صدر في ذكرى مئوية الدستور اللبناني لم يكن مجرد موقف قانوني، بل إعلان سياسي واضح بأن الحزب يرفض أي محاولة داخلية أو خارجية لنزع سلاحه أو المساس بشرعية دوره العسكري.
وهكذا يقف لبنان مجدداً أمام الانقسام نفسه: دولة تحاول تفادي الانفجار، وحزب يعتبر أن أي تراجع الآن يعني سقوط “عناصر القوة” في مواجهة إسرائيل. وبين المشروعين، يبقى اللبنانيون عالقين داخل حرب مفتوحة على المجهول، فيما المنطقة كلها تترقب ما ستسفر عنه المفاوضات الأميركية – الإيرانية التي قد تحدد مصير الجبهة اللبنانية أكثر مما يحدده اللبنانيون أنفسهم.

