الشرق الأوسط لا يعيش حرباً تقليدية.. بل حرباً اقتصادية

لبنان

في خضمّ ما يعيشه الشرق الأوسط اليوم من حروب مفتوحة وتبدلات كبرى، يبرز سؤال ثقيل يعيشه الناس يومياً قبل أن يُطرح في السياسة والإعلام: ماذا يجني المواطن العادي من كل هذا الصراع؟ وماذا جنت البيئات التي وُضعت في قلب سياسات المحاور والمواجهات المستمرة؟

فالطائفة الشيعية في لبنان، وخصوصاً أهل الجنوب والبقاع والضاحية، يعيشون اليوم في قلب العاصفة، بين الدمار والخوف والنزوح والضغوط الاقتصادية والانهيار المعيشي. قرى كاملة تتعرض للتدمير، وبيوت تُهجر، وأرزاق تضيع، فيما يعود شبح الاحتلال والتهديد الأمني ليخيّم من جديد على مناطق دفعت أثماناً هائلة وما تزال تدفع.

إلى أين يقود هذا المسار؟

وفي وسط هذا المشهد، يبدأ السؤال الحقيقي بالظهور داخل وجدان الناس أنفسهم: إلى أين يقود هذا المسار؟ وهل المواطن الجنوبي، الذي يريد فقط أن يعيش بكرامة وأمان ويؤمن مستقبلاً لأولاده، هو فعلاً المستفيد من استمرار إدخاله في قلب صراعات المحاور الإقليمية والدولية؟

فما الذي يربحه المزارع أو الموظف أو الشاب الذي يحلم ببيت وعمل واستقرار، حين يجد نفسه كل فترة أمام حرب جديدة أو دمار جديد أو نزوح جديد؟ وأي بيئة يمكنها الاستمرار في تحمّل هذا الحجم من الاستنزاف البشري والاقتصادي والنفسي؟

الناس اليوم لا تسأل من باب التخلي عن الكرامة أو الأرض، بل من باب التعب. تعب البيوت التي أرهقتها الهجرة، وتعب الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن بين حرب وأخرى، وتعب جيل كامل يشعر أنّ حياته معلّقة دائماً على إيقاع التصعيد الإقليمي والحسابات الدولية.

خسائر سياسة المحاور

وهنا تبرز المقارنة التي يخاف البعض حتى من التفكير بها: كيف كانت ستكون صورة الجنوب والبقاع والضاحية لو بقيت هذه البيئات بعيدة عن سياسات المحاور الكبرى؟ هل كانت القرى ستُعرف بالدمار والنزوح، أم بالجامعات والسياحة والاستثمارات والحياة الطبيعية؟ وهل كان الشباب سيبحثون عن الهجرة، أم عن فرص داخل أرضهم؟

المشكلة أنّ الشرق الأوسط اليوم لا يعيش حرباً تقليدية فقط، بل يعيش حرب مصالح واقتصاد ونفوذ ترتدي أحياناً ثوب السياسة والطائفة والعقيدة. وفي مثل هذه الحروب، غالباً ما يكون المواطن البسيط هو الخاسر الأول، لأنّ الدول والمحاور تتفاوض وتتبدل حساباتها، بينما الإنسان العادي يبقى وحده تحت الركام أو على أبواب الغربة.

وربما أخطر ما يعيشه الناس اليوم ليس فقط الخوف من الحرب، بل الخوف من أن يتحول هذا الواقع إلى قدر دائم، حيث يكبر الأولاد على صوت الطائرات والدمار بدل أن يكبروا على فكرة الحياة والاستقرار وبناء المستقبل.

السابق
عدة النجاة الصباحية…
التالي
إشكال في مغدوشة يتطوّر إلى إطلاق نار… والجيش يتحرك