لبنان وإسرائيل..لعنة التاريخ والجغرافيا وحروب الآخرين

لبنان واسرائيل

لبنان، سبعة عقود بين الهدنة والحرب، وتحوله إلى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين على أرضه. فمنذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، لم يكن لبنان مجرّد دولةٍ مجاورة لها، بل تحوّل، بحكم الجغرافيا والتوازنات الإقليمية، إلى واحدة من أكثر الساحات التصاقاً بالصراع العربي ـ الإسرائيلي، وربما أكثرها هشاشةً وتأثراً بنتائجه.

فعلى امتداد أكثر من سبعة عقود، عاش لبنان بين هدنةٍ وحرب، وبين اتفاقٍ وانهيار، وبين تسوياتٍ مؤقتة وانفجاراتٍ متكررة. من اتفاق الهدنة عام 1949، إلى حرب 1967، ثم اجتياح 1978، فالغزو الإسرائيلي الواسع عام 1982، واتفاق 17 أيار، وحروب 1993 و1996، ثم الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، وحرب تموز 2006، وصولاً إلى ترسيم الحدود البحرية واتفاق كاريش، وأخيراً حرب 2023 وما تبعها من تفاهمات وقف إطلاق النار… وحالياً اتفاق هدنة 17 أيار 2026.

هدنة طويلة بلا سلام

كما يبدو، يعيش لبنان وكأنه محاصر في هدنة مؤقتة طويلة الأمد، لا سلام حقيقياً فيها، ولا حرباً تقليدية واضحة المعالم. ومن اللافت أن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي كانا حاضرين دائماً في هذا المسار، عبر سلسلة طويلة من القرارات الدولية التي حاولت احتواء الصراع أو تنظيمه، من دون أن تنجح فعلياً في إنتاج استقرار دائم.

فبعد اجتياح عام 1978، صدر القرار 425 الذي طالب إسرائيل بالانسحاب الفوري من الأراضي اللبنانية، وأنشأ قوات الطوارئ الدولية “اليونيفيل”، ثم تبعه القرار 426 لتنظيم مهام هذه القوات. وبعد اجتياح 1982، صدرت قرارات جديدة طالبت بوقف العمليات العسكرية واحترام سيادة لبنان.

القرار 1701… أزمة التطبيق الناقص

أما القرار الأبرز، فكان القرار 1701 بعد حرب تموز 2006، والذي نصّ على وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، ومنع أي وجود مسلح خارج إطار الدولة اللبنانية في تلك المنطقة.

لكن المشكلة أن معظم هذه القرارات بقيت ناقصة التطبيق: إذ استمرت إسرائيل في الخروقات الجوية والبحرية والاغتيالات والاعتداءات، فيما بقي سلاح “حزب الله” خارج إطار الدولة، ما جعل الجنوب يعيش حالة “لا حرب ولا سلم”، أو هدنةً متوترة قابلة للانفجار في أي لحظة.

لبنان… ساحة لصراعات الآخرين

في الحقيقة، لم يكن لبنان، في معظم تلك المراحل، صاحب القرار الكامل في الحرب أو السلم. فبعد اتفاق القاهرة عام 1969، تحوّل الجنوب إلى قاعدة للعمل الفدائي الفلسطيني، ثم دخل لبنان لاحقاً تحت الوصاية السورية العسكرية والسياسية، قبل أن يصبح، في العقود الأخيرة، جزءاً من محور إقليمي تقوده إيران عبر النفوذ العسكري والسياسي لـ”حزب الله”.

وفي المقابل، لم تتعامل إسرائيل مع لبنان يوماً كدولة مستقلة ذات سيادة كاملة، بل غالباً كساحة أمنية يجب إخضاعها بالقوة العسكرية. لذلك شهد الجنوب احتلالات متكررة واجتياحات، وتحول اللبنانيون، مراراً، إلى وقود لحروب تتجاوز حدودهم وإمكاناتهم وقرارهم الوطني.

السابق
تفاصيل قضية «العقيد العراقي المزيف» في بيروت.. تزوير بطاقات وانتحال صفة أمنية في قبضة القضاء
التالي
لبنان: الدولة ليست السلطة… كيف انهارت الدولة؟