يبدو أن المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية وصلت إلى طريق مسدود. بل جاءت عكس توقعات الأميركيين بأن النظام الإيراني سيسارع إلى تلبية الشروط الأميركية بعد الهجمات العسكرية المكثفة والمدمرة على ايران.
ظنّ الأميركي أن اغتيال رأس النظام، وإبادة صف قياداته الاستراتيجيين والأمنيين، وشلّ قدراته العسكرية، كافية لتحقيق الانتصار السياسي وإنهاء الحرب لصالحه. وتبيّن أنه ظنّ خاطئ لسببين أساسيين: أولهما سوء فهم النظام الإيراني نفسه، سواء في ذهنيته وحسابات الربح والخسارة عنده، أم في بنيته وتكوينه وصناعة القرار فيه. وثانيهما اعتماد الأميركي المقاربة الخاطئة في مواجهة النظام الإيراني وإخضاعه، عبر فرض السلام بالقوة، بتكرار التجربة الفنزويلية التي غيّرت وجهة النظام الفنزويلي وسياسته بمجرد إزالة خاطفة لرأس النظام وتغييره.
إسقاط النظام لم يكن هدفاً
كان واضحاً منذ البداية أن إسقاط النظام الإيراني لم يكن مدرجاً في خطة الحملة العسكرية الأميركية على إيران. وقد تبيّن ذلك من خلال الاقتصار على دعوة الشعب الإيراني إلى أخذ المبادرة في الداخل لإسقاط النظام. وهذا أمر يعلم الجميع أنه لن يحصل، بعدما استطاع النظام قمع الحراك الشعبي بطريقة دموية من جهة، إضافة إلى أن التكوين الأمني والبوليسي للنظام الإيراني لا تؤثر فيه التظاهرات والاحتجاجات السلمية، لكونه يرى أن أساس مشروعيته مستمد من الله وليس من المجتمع، وللعقيدة الراسخة بأن حفظ النظام هدف أسمى وغاية قصوى تهون لأجلها كل الأثمان والتبعات، حتى لو كلف ذلك موت أو قتل الملايين من الشعب الإيراني، أو دمار جميع البنى التحتية والإنتاجية لإيران.
ظنّ الأميركي أن اغتيال رأس النظام، وإبادة صف قياداته الاستراتيجيين والأمنيين، وشلّ قدراته العسكرية، كافية لتحقيق الانتصار السياسي وإنهاء الحرب لصالحه وتبيّن أنه ظنّ خاطئ
استراتيجية التطويع بدل التغيير
ولأن تغيير النظام يكاد يكون مستحيلاً، أو أن كلفته عالية جداً، آثر الأميركيون تطويع النظام، بكسر شوكته وشلّ قدراته، لإرغامه على تغيير سلوكه وتعديل مساره وانتهاج سياسة أكثر انفتاحاً والتزاماً بأطر إقليمية تضمن الاستقرار وتحفظ التوازن بين دول المنطقة.
هذا النهج كان منذ البداية نقطة ضعف القيادة الأميركية، لأنهم وضعوا سقفاً منخفضاً لحربهم، جعل ضرباتهم محسوبة بدقة، وحولوها إلى حلبة تسجيل نقاط وليّ ذراع، مع مبالغة في استعراض القوة من دون نتائج سياسية ملموسة.
هذا الأداء أعطى الإيرانيين فرصة لالتقاط أنفاسهم، واستيعاب الصدمة المفاجئة، ومبادلة فائض القوة الأميركي باستعمال أوراق استراتيجية عديدة لا تتطلب تقنية سلاح عالية ولا اقتداراً أمنياً كبيراً، تتلخص جميعها بخنق مصادر تمويل الطاقة للعالم وإدخال الاقتصاد العالمي في أزمة كبرى تتجاوز كلفتها كلفة الحرب نفسها بعشرات الأضعاف.
خطأ المقارنة مع فنزويلا
تأخر الأميركيون في إدراك أن نموذج فنزويلا غير قابل للتعميم والتكرار على النظام الإيراني، كما أن تمديد أمد المفاوضات، رغم انسداداتها وغياب أي أفق سياسي لها، أفقد عنصر المفاجأة عند الأميركي، ووفّر للإيرانيين فرصة التقاط الأنفاس والتجهز لمرحلة المواجهات القادمة، بل حفّزهم على التصلب في مواقفهم ورفع مطالبهم، بمبادلة مطالب الأميركيين بمطالب مضادة عالية السقف.
غيّر دونالد ترامب من أسلوب مواجهة النظام الإيراني، عبر استبدال نمط الضغط الاقتصادي الذي مارسه قبله جو بايدن وباراك أوباما، بالضغط العسكري المدمر.
لكنه لم يغيّر من الفهم السائد عند الأميركيين بأن النظام الإيراني قابل بذاته للتطويع والتأقلم وتغيير سياساته. راهن ترامب، بعد التدمير الشامل، على أن يتغلب صوت العقل والواقعية داخل النظام على منطق التصلب والتهور، فإذا به يُفاجأ بمنطق نبؤاتي يستند إلى معطيات الغيب سنداً وركيزة لأي حرب.
تأخر الأميركيون في إدراك أن نموذج فنزويلا غير قابل للتعميم والتكرار على النظام الإيراني، كما أن تمديد أمد المفاوضات، رغم انسداداتها وغياب أي أفق سياسي لها، أفقد عنصر المفاجأة عند الأميركي
الحرس الثوري… قلب النظام الحقيقي
راهن ترامب على أن إزالة رأس النظام كفيلة بأن يراجع النظام كل حساباته، ليتبين أن الولي الفقيه ليس سوى جزء من شبكة مصالح معقدة ومتشعبة، متمثلة بـالحرس الثوري الإسلامي، تضمن للنظام استمراريته وفعاليته حتى بغياب الولي الفقيه.
كما راهن على أن ترجح كفة التيار المعتدل والعقلاني داخل النظام، ليتبين أن النظام كتلة أمنية صلبة لا أجنحة فعلية داخلها، وأن القيادات السياسية شخصيات طافية على سطح النظام، من دون أن تكون جزءاً من بنيته الفعلية أو شريكة في صناعة القرار النهائي.
لم يعرف الأميركيون أن البرنامج النووي ليس مجرد وسيلة لإنتاج الطاقة، بل جزء من مشروع تسلح ينسجم مع تطلعات النظام الإمبراطورية، وأداة ردع مستقبلية تضمن بقاء النظام واستمراريته.
أي إن البرنامج النووي وضمانات بقاء النظام مسألتان متلازمتان، والتخلي عنه يعني التخلي عن أهم خط دفاع عن وجوده.
كما لم يعرف الأميركيون أن الإنفاق الجنوني للنظام الإيراني على التسلح ليس مسألة فنية تقبل المفاوضة، لأن التسلح تقرره اعتبارات عقائدية وإيديولوجية، يكون التخلي عنها تخلياً عن صميم وجوهر النظام نفسه.
ولم يعرف الأميركيون أيضاً أن الأذرع ليست قضية فضلة أو طموحاً إيرانياً زائداً، بل تدخل في صلب التفكير العقائدي لتوسع وتمدد مشروع الدولة الإسلامية التي لا حدود جغرافية لها.
راهن ترامب على أن إزالة رأس النظام كفيلة بأن يراجع النظام كل حساباته، ليتبين أن الولي الفقيه ليس سوى جزء من شبكة مصالح معقدة ومتشعبة، متمثلة بـالحرس الثوري الإسلامي،
الإيرانيون فهموا… والأميركيون أخفقوا
دخل الأميركيون الحرب بتوقعات لا يمكن أن تتحقق، وبرهانات انبنت على فرضيات مضللة، الأمر الذي أوصلهم إلى دوامة مفاوضات يبرع الإيرانيون في تمييعها وكسب الوقت حولها.
وهي وضعية حرجة للأميركيين ومريحة للنظام الإيراني، على الرغم من قسوة الحصار الاقتصادي والدمار الكبير في منشآته، لسبب بسيط: أن حسابات الربح والخسارة عند النظام الإيراني، أو مفهومي الانتصار والهزيمة لديه، تقوم على معادلة واحدة: إما البقاء ولو على أنقاض شعب بأكمله، أو السقوط الكامل.
هذا يعني أن نتائج الحرب الدائرة لم تعد في حيازة فائض القوة، أو القدرة التدميرية الشاملة، أو البراعة في التفاوض، إنما في أن يبني كل طرف استراتيجيته وتوقعاته بما ينسجم مع طبيعة خصمه وجوهر حقيقته.
وهو أمر أتقنه الإيرانيون، وأخفق فيه الأميركيون.

