إسرائيل تدفع نحو تنسيق  سياسي وأمني مع لبنان.. وعون: لا خيار سوى وقف الحرب

في لحظة لبنانية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الضغوط العسكرية بالمفاوضات السياسية والأمنية، رسم رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إطاراً واضحاً للموقف اللبناني من المفاوضات الجارية مع إسرائيل، محدداً سقفها بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، ووقف إطلاق النار، وانتشار الجيش اللبناني على الحدود، وعودة النازحين، إضافة إلى توفير المساعدات الاقتصادية والمالية للبنان، نافياً كل ما يُتداول عن تفاهمات تتجاوز هذا الإطار.

كلام عون لم يكن مجرد موقف سياسي، بل محاولة واضحة لتبديد المخاوف الداخلية من انزلاق لبنان إلى مسار تفاوضي يتجاوز تثبيت التهدئة نحو ترتيبات أمنية حساسة تمسّ الداخل اللبناني وتركيبته السياسية والأمنية. فالرئيس اللبناني يدرك أن أي حديث عن تنسيق عسكري مباشر مع إسرائيل أو عن دور لبناني في تفكيك بنية حزب الله بالقوة، كفيل بإشعال الداخل اللبناني وفتح أبواب مواجهة داخلية لا تقل خطورة عن الحرب القائمة.

إسرائيل ترفع سقف الشروط… وتريد ما بعد وقف النار

في المقابل، تبدو إسرائيل وكأنها تستثمر الحرب الحالية لفرض وقائع استراتيجية جديدة في جنوب لبنان. فالمعلومات الإسرائيلية المسرّبة حول شروط الانسحاب تكشف بوضوح أن تل أبيب لا تبحث فقط عن وقف تهديد حزب الله، بل عن إعادة صياغة المعادلة الأمنية جنوب الليطاني بالكامل.

الشروط الإسرائيلية الخمسة، والتي تتراوح بين إنشاء منطقة عازلة، وفرض رقابة دولية ـ أميركية مشددة، ومنع عودة سكان القرى الحدودية، والإبقاء على النقاط العسكرية المحتلة، وصولاً إلى الرقابة الكاملة على طرق إدخال السلاح إلى لبنان، تعكس محاولة إسرائيلية لفرض نموذج أمني شبيه بما حصل بعد اتفاقات دولية سابقة ولكن بشروط أكثر قسوة .

الجديد في هذه الطروحات هو الحديث عن إنشاء آلية تنسيق عسكري وأمني بإشراف أميركي، وهو ما تعتبره أوساط مراقبة، انه تمهيد لوضع الجيش اللبناني في مواجهة حزب الله تحت عنوان تنفيذ الالتزامات الأمنية الجديدة.

واشنطن تضغط… ولبنان يحاول تفادي الانفجار الداخلي

وفق المعطيات المتداولة، فإن واشنطن تدفع باتجاه تحويل المفاوضات الحالية إلى منصة لإنتاج ترتيبات أمنية طويلة الأمد، تشمل آليات مراقبة استخبارية وعسكرية مشتركة، وربما وحدات خاصة داخل الجيش اللبناني تتولى التعامل مع ملف سلاح حزب الله.

إلا أن لبنان الرسمي، كما تشير المعلومات، يحاول تجنب هذا السيناريو، إدراكاً منه لحجم المخاطر التي قد تنتج عن إدخال المؤسسة العسكرية في مواجهة داخلية مع الحزب. فالمؤسسة العسكرية لا تزال تُعتبر آخر ركائز التماسك الوطني، وأي محاولة لزجّها في صدام داخلي قد تؤدي إلى تصدعها أو إغراق البلاد في فوضى أمنية مفتوحة.

من هنا يمكن فهم إصرار الرئيس عون على التأكيد بأن هدف المفاوضات هو وقف الحرب وتقليل الخسائر، في حين ان الدخول في ترتيبات تتجاوز قدرة لبنان على تحمّل تداعياتها الأمنية، الا في حال حصل تغيير حاسم في الموازين الدولية والاقليمية.

الجنوب يشتعل رغم تمديد وقف النار

ميدانياً، لم ينجح تمديد اتفاق وقف إطلاق النار في تبريد الجبهة الجنوبية، إذ استمرت الغارات الإسرائيلية بوتيرة عنيفة على قرى الجنوب والبقاع، مستهدفة منازل ومجمعات سكنية ومواقع متعددة، فيما واصل حزب الله إطلاق الصواريخ والمسيّرات باتجاه المواقع الإسرائيلية.

التصعيد المتبادل يعكس أن المعركة لم تعد مجرد ردود فعل ميدانية، بل جزء من عملية ضغط تفاوضي متبادل. إسرائيل تحاول عبر النار فرض شروطها السياسية والأمنية، بينما يسعى حزب الله إلى تثبيت معادلة أنه ما زال يمتلك القدرة على الرد والمواجهة رغم الضربات القاسية.

غير أن الكلفة الكبرى تبقى على المدنيين اللبنانيين، الذين يعيشون بين الدمار والنزوح والانهيار الاقتصادي، فيما تتعاظم المخاوف من أن تتحول المفاوضات الجارية إلى مدخل لإعادة رسم التوازنات الداخلية اللبنانية تحت ضغط الحرب والخراب.

لبنان أمام لحظة مفصلية

ما يجري اليوم يتجاوز حدود التفاوض التقليدي حول وقف إطلاق النار. فلبنان يقف أمام لحظة مفصلية تتصل بمستقبل دوره ووضعه الأمني والسياسي، فيما تحاول إسرائيل والولايات المتحدة استثمار الحرب لإنتاج واقع جديد في الجنوب، وربما في لبنان كله.

أما التحدي الأكبر أمام الدولة اللبنانية، فيبقى قدرتها على وقف الحرب من جهة، ومنع انفجار الداخل من جهة أخرى، في ظل توازنات شديدة الهشاشة، وضغوط إقليمية ودولية تتجاوز قدرة لبنان المنهك على الاحتمال.

السابق
رسميًا.. نجم برشلونة فيرمين لوبيز خارج المونديال
التالي
بالصور: إسرائيل تكشف عمليات داخل الخيام!