منذ عام 1975، لم يخرج لبنان فعلياً من الحرب. تبدّلت الأسماء، وتغيّرت الشعارات، وتبدّلت التحالفات، لكن البنية بقيت على حالها: سلطة وُلدت من رحم الميليشيات، وأتقنت العيش على الأزمات أكثر مما أتقنت بناء الدولة.
بعد اتفاق الطائف، لم تُحلّ المشكلة… بل أُعيد توزيعها. انتقل قادة الحرب من الجبهات إلى الوزارات، ومن المتاريس إلى مؤسسات الدولة، حاملين معهم منطق الغنيمة لا منطق الإدارة. تقاسمت الطبقة الحاكمة السلطة كما تُقسَّم ساحات النفوذ، فغابت المحاسبة، وتفككت المؤسسات، وتحوّلت الدولة إلى هيكل بلا روح.
الحرب كأداة لإعادة إنتاج السلطة
في هذا السياق، لم تكن الحروب المتكررة مجرد أحداث طارئة، بل أصبحت جزءاً من آلية الحكم. فكلما اشتدّ الضغط الداخلي، أو ارتفعت أصوات المساءلة، حضرت الحرب — أو التلويح بها — كوسيلة لإعادة ترتيب الأولويات: من الفساد إلى “الخطر الوجودي”، ومن المحاسبة إلى “وحدة الصف”.
الحرب، هنا، لا تُلغي الأزمة… بل تُعيد تدويرها. تحت وقع التهديد الخارجي، يُشدّ العصب الطائفي، وتُستنهض الغرائز الجماعية، ويُعاد إنتاج الزعامات نفسها بوصفها حامية الجماعة. يتحوّل النقد إلى تهمة، والمعارضة إلى خيانة، ويُطلب من الناس أن تؤجّل أسئلتها إلى ما بعد المعركة… مع أن “ما بعد” لا يأتي أبداً.
فائض القوة ومنطق الشرعية الدائمة
في قلب هذا المشهد، تبرز قوى تمتلك فائض قوة عسكرية وخطاباً أيديولوجياً قائماً على المقاومة. هذه القوى تستمد جزءاً أساسياً من شرعيتها من استمرار الصراع، وتجد في كل جولة تصعيد فرصة لتثبيت موقعها، ليس فقط في مواجهة العدو، بل أيضاً داخل المعادلة الداخلية.
لكن الخطأ يكمن في اختزال الأزمة بها وحدها، إذ إن باقي مكوّنات السلطة شاركت — بصمت أو بشراكة — في تقويض الدولة وتقاسم مواردها. هكذا تتكامل المنظومة: قوى تقاتل باسم الحماية، وأخرى تحكم باسم التسوية، والجميع يلتقي عند تقاسم الدولة وغياب الدولة في آن.
اقتصاد الأزمات: المعاناة كمورد سياسي
الأخطر من ذلك أن اقتصاداً كاملاً نشأ حول الأزمات: مساعدات تُوزَّع عبر قنوات حزبية، وإعادة إعمار تُدار بالزبائنية، وإغاثة تتحوّل إلى أداة نفوذ.
في هذا الاقتصاد، تصبح المعاناة مورداً، ويغدو النازح رقماً في معادلة القوة، لا مواطناً في دولة. والنتيجة: بلدٌ معلّق بين حرب لا تُحسم، وسلم لا يُبنى. دولة تُستدعى عند الحاجة، وتُغيَّب عند المحاسبة. وشعب يُطلب منه الصمود دائماً… من دون أن يُمنح حق العيش.
سلطة تستفيد من الانهيار
هل تستفيد الطبقة الحاكمة من الحرب؟ الجواب، بلا مواربة: نعم، بقدر ما تُتيح لها تأجيل السقوط، وإعادة شدّ العصبيات، وتدوير شرعيتها المتآكلة. لكنها، في الوقت نفسه، تحفر — بوعي أو من دونه — الأساس لانهيار أعمق يطال الجميع.
في لبنان، لم تعد الحرب استثناءً… بل صارت جزءاً من نظام الحكم. وما لم يُكسر هذا الترابط بين السلطة والأزمة، سيبقى البلد يدور في حلقة مفرغة: كلما اقترب من لحظة حساب، اندلعت معركة… وكلما انتهت معركة، تأجّل الحساب.

