لا يكتب حسن بزيع نصّ رثاء تقليديًا لصديقه محمد حسين شمس الدين، في الندوة التي اقامها موقع “جنوبية” تكريما له اول امس الجمعة ، بل يكتب سيرة جيل كامل، جيل دخل الحرب من بوابة الحلم، وخرج منها مثقلًا بالخيبات والأسئلة. منذ السطور الأولى، يقدّم الكاتب نفسه متواضعًا أمام قامة الراحل، فيقول إن وجوده بين أهل الفكر والأدب يشبه “بيع الماء في حارة السقّايين”، لكنه يبرّر كلامه بأنّه يتحدث عن “صديقه ورفيقه الذي أضاء هذا العمر”.

البدايات: جيل دخل الحرب باسم الحلم
يعود النص إلى عام 1975، حين كان الشباب اللبناني والفلسطيني يندفع نحو الأحزاب والتنظيمات المسلحة تحت تأثير القضية الفلسطينية والحرب الأهلية. يرسم بزيع صورة مؤلمة لجيل ظنّ أنه يصنع التاريخ، بينما كان يتحول تدريجيًا إلى وقود لحروب لا تنتهي.
في هذا المناخ، يلتقي الكاتب بمحمد حسين شمس الدين داخل “التنظيم الشعبي اللبناني” المرتبط بحركة فتح. هناك يظهر الشاب الآتي من جبل عامل، الأشقر، النحيل، صاحب العينين الزرقاوين والصوت الساحر. يصفه بزيع كأنه شخصية خرجت من رواية، رجل جمع بين الكاريزما الثورية والثقافة العميقة.
ويقتطع الكاتب مشهدًا بالغ الدلالة حين يستعيد شمس الدين بداياته الأولى مع الفدائيين الفلسطينيين في الجنوب، يوم كان يحمل الخبز والشاي إلى المقاتلين المختبئين في الوديان والمغاور. كانت فلسطين بالنسبة إليه “عذبة وصافية وناصعة مثل روح الله”، وهي عبارة تكشف البعد الروحي والأخلاقي الذي حمله جيل المقاومة الأولى قبل أن تبتلعه صراعات السلطة والمحاور.
شقرا: المكان الذي صنع الشخصية
يخصص بزيع مساحة واسعة لمرحلة شقرا الجنوبية، حيث عمل شمس الدين مدرسًا بعد تخرجه من دار المعلمين. هنا تتشكل شخصيته المركبة: المثقف، والمناضل، والعاشق، والمشاكس، واللغوي، وابن البيئة العاملية المنفتحة.
يقدّم الكاتب تفاصيل إنسانية دافئة تكسر جديّة السيرة السياسية، فيروي كيف كان شمس الدين يتأخر صباحًا عن المدرسة بسبب نومه الطويل، حتى اضطر صديقه إبراهيم الأمين إلى مناداته عبر مكبر صوت الجامع. كما يروي حادثة ذهابه إلى المدرسة باكرًا ليكتشف أنّ اليوم هو الأحد.
هذه التفاصيل ليست للزينة، بل لإظهار رجل بقي عفويًا وبسيطًا رغم انخراطه في القضايا الكبرى.
فلسطين ولبنان: الهوية المركبة
أحد أهم محاور النص هو فهم شمس الدين للعلاقة بين فلسطين ولبنان. لم يكن فلسطيني الهوى على حساب لبنان، ولا لبنانيًا انعزاليًا يهرب من القضية الفلسطينية. كان يرى الهويات دوائر متداخلة لا متقاتلة.
في هذا السياق، يبرز موقفه خلال الحرب الأهلية، حين رفض تحميل القرى المسيحية مسؤولية ممارسات العملاء، ودافع عن إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الأهالي. هنا يظهر وجهه المختلف عن منطق الحرب الأهليّة الذي اجتاح لبنان، إذ انحاز إلى التسوية والحوار بدل الانتقام.
ويستعيد بزيع حادثة خلافه مع بعض قيادات “فتح”، وصولًا إلى تدخل ياسر عرفات شخصيًا دفاعًا عنه، حين قال عبارته الشهيرة: “هذا محمد شمس الدين يعلّمني ويعلّمك فتح”. الاقتباس يكشف حجم حضوره الفكري داخل الحركة، لا باعتباره مجرد عنصر تنظيمي، بل عقلًا نقديًا مستقلًا.
من الثورة إلى الحوار
مع انتهاء الحرب اللبنانية، ينتقل شمس الدين من العمل الثوري إلى العمل الفكري والسياسي. يحتفي باتفاق الطائف بوصفه فرصة لإعادة إنتاج معنى لبنان، لا مجرد وقف للحرب. ثم يشارك في تأسيس “المؤتمر الدائم للحوار” إلى جانب شخصيات من مختلف الطوائف والانتماءات.
هنا يضيء النص على تحوّل بالغ الأهمية: رجل السلاح السابق يصبح رجل تسويات وحوار. لم يتخلّ عن قناعاته القومية والعربية، لكنه أدرك أن لبنان لا يمكن أن يعيش إلا بالتوازن والتعددية والتسويات.
ويبدو واضحًا أن الكاتب يرى في هذه المرحلة ذروة نضج شمس الدين الفكري، خصوصًا في رفضه التعصب الطائفي أو الأيديولوجي، وفي دفاعه عن هوية عربية متسامحة ومنفتحة.
الحزن العميق: رجل يدفن أصدقاءه
في القسم الأخير، يتحول النص إلى مرثية موجعة. يكشف بزيع عن “نهر الأحزان” الذي كان يسكن صديقه، خصوصًا بعد رحيل رفاقه الكبار مثل هاني فحص وسمير فرنجية ومحمد حسن الأمين.
أكثر المقاطع إيلامًا هو وصف اللحظات الأخيرة قبل دفنه. يجلس الكاتب قرب الجسد المسجّى، يخاطبه للمرة الأخيرة، ثم يتابع مشهد التراب وهو ينهال على القبر في عربصاليم، بينما “نذر الحرب تلوح فوق سماء لبنان”.
الجملة الأخيرة تختصر النص كله: “حتى إذا أُغلق القبر، شعرت بأن أحدًا أغلق العالم”.
هنا لا يرثي حسن بزيع صديقًا فقط، بل يرثي زمنًا كاملًا من الأحلام الكبرى، زمن المثقف المناضل الذي حاول أن يصالح بين فلسطين ولبنان، بين العروبة والتعددية، بين الثورة والإنسان.

