يستمرّ جزء كبير من النقاش اللبناني حول المفاوضات الجارية مع إسرائيل وكأنّه نقاش تقنيّ: نقاط حدودية، تطبيق القرار 1701، أو ترتيبات أمنيّة جنوب الليطاني. لكنّ الحقيقة أنّ ما يجري أبعد بكثير من ذلك. فهذه ليست مفاوضات حدود فحسب، بل مفاوضات على وظيفة لبنان وهويّته السياسية ومستقبل علاقته بالحرب.
والأخطر أنّ هذه المفاوضات تجري فيما الحرب نفسها ما زالت مستمرّة ومتصاعدة. فقد فرضت إسرائيل عملياً ما بات يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وبدأت بتجاوزه باتجاه ما بعد الليطاني، في إشارة واضحة إلى أنّ الجنوب لم يعد يُدار كجبهة احتواء، بل كمساحة يُعاد تشكيل واقعها الأمني بالقوة.
الحرب الأخيرة لم تدمّر قرى وبلدات وبنى تحتيّة فقط، بل دمّرت أيضاً الوهم الذي عاش عليه لبنان منذ عقود، إمكانيّة الجمع بين الدولة ومنطق “الساحة” في آن واحد. أي إمكانيّة وجود دولة رسميّة بحدود ومؤسسات، وفي الوقت نفسه وجود تنظيم عسكري عقائدي يمتلك قرار الحرب والسلم ويربط البلد بمحور إقليمي يتجاوز مصالح اللبنانيين أنفسهم.
لهذا تبدو المفاوضات الحالية أخطر لحظة سياسية منذ اتفاق الطائف. فالمسألة لم تعد وقف جولة عسكرية عابرة، بل تحديد ما إذا كان لبنان سيستمرّ كدولة رهينة لحروب المنطقة، أم يبدأ، ولو تدريجياً، بالخروج من هذا النموذج الذي استنزفه لعقود.
هذه المفاوضات تجري فيما الحرب نفسها ما زالت مستمرّة ومتصاعدة. فقد فرضت إسرائيل عملياً ما بات يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وبدأت بتجاوزه باتجاه ما بعد الليطاني،
من التفاوض الأمني إلى التفاوض على وظيفة لبنان
الخطأ الأساسي في المقاربة اللبنانية الحالية هو التعامل مع المفاوضات كأنّها مفاوضات أمنيّة محدودة يمكن احتواؤها ببعض العبارات السيادية والخطابات الشعبوية. بينما الواقع أنّ الحرب فرضت معادلة جديدة بالكامل.
بعد 7 تشرين الأول/اكتوبر 2023 تغيّر العقل الأمني الإسرائيلي جذرياً. لم تعد إسرائيل تقبل بمنطق الاحتواء أو الردع المتبادل مع قوى مسلّحة عقائدية على حدودها، بل تتجه إلى منع تكرار أي نموذج يشبه ما تراه تهديداً استراتيجياً طويل الأمد.
من هنا، لا تقتصر المقاربة الإسرائيلية على الجنوب أو القرار 1701، بل تتجه إلى هدف أكثر شمولاً، نزع البنية العسكرية للحزب في لبنان كله. والأهم أنّ إسرائيل لم تعد تبدي ثقة بقدرة الدولة اللبنانية، أو حتى إرادتها، على تنفيذ هذا التحول في الجنوب أو في أي منطقة أخرى.
في المقابل، تتحرك الولايات المتحدة ضمن هذا الإطار، باعتبار أنّ وقف الحرب بشكل مستدام لا يمكن أن يقوم على ترتيبات جزئية، بل على تغيير عميق في البيئة الأمنية اللبنانية.
أما الدولة اللبنانية فتفاوض من موقع شديد الضعف، اقتصاد منهار، سلطة عاجزة، وسلاح خارج الدولة لا تستطيع نزعه ولا ضبط قراره.
لهذا لا تدور المفاوضات فعلياً حول بضعة كيلومترات حدودية، بل حول أربعة أسئلة كبرى:
1- من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان؟
2- هل يبقى الجنوب مساحة مفتوحة للمواجهة الإقليمية؟
3- هل تستعيد الدولة احتكار القوة العسكرية ولو تدريجياً؟
4- وهل يستطيع لبنان الاستمرار بوظيفته الحالية كساحة متقدمة لصراع إقليمي؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية خلف العناوين التقنية، وأي تجاهل لها ليس سوى هروب من جوهر الأزمة.
سقوط معادلة “المقاومة تحمي لبنان”
للمرّة الأولى منذ سنوات طويلة، يظهر داخل المجتمع اللبناني اعتراض واسع لا على الحرب فقط، بل على النموذج الذي أنتجها. وهذه نقطة مفصلية في التحوّل الحالي.
لقد قامت شرعية “حزب الله” لعقود على معادلة تقول إنّ السلاح يحمي لبنان ويردع إسرائيل. لكنّ الحرب الأخيرة دفعت شريحة متزايدة إلى طرح سؤال معاكس، ماذا لو أصبح هذا السلاح نفسه سبباً لاستنزاف لبنان وإدخاله في حرب دائمة؟
المشكلة لا تتعلق فقط بالخسائر البشرية والدمار، بل بحقيقة أعمق، لبنان لم يعد يتحمّل اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً هذا النموذج المفتوح من الحرب. فالدولة منهارة، والهجرة تتسع، والبيئات المحلية نفسها تعيش إنهاكاً متصاعداً، فيما يُربط مصير البلد بمسارات إقليمية لا يملك قراره فيها.
وهكذا يصبح الحديث عن “العودة إلى ما قبل الحرب” نوعاً من الإنكار السياسي. فلا المجتمع اللبناني بقي كما هو، ولا ميزان القوى الإقليمي استقر، ولا الكلفة الداخلية باتت قابلة للاحتواء.
ومع ذلك، ما زالت نخب سياسية وفكرية تتعامل مع اللحظة بعقلية قديمة، شعارات سيادية لفظية من جهة، أو تبرير أيديولوجي مستمر لمنطق “الساحة” من جهة أخرى، وكأنّ الانهيار لم يحدث.
أزمة الدولة لا أزمة الحدود فقط
المشكلة في لبنان لم تكن يوماً حدودية فقط، بل أزمة دولة ووظيفة كيان. فمنذ أواخر الستينات، دخل البلد تدريجياً في منطق استخدام أرضه كساحة لصراعات الآخرين، السلاح الفلسطيني، ثم الوصاية السورية، ثم الهيمنة الإيرانية عبر “حزب الله”. وفي كل مرحلة كانت تُعلّق الدولة باسم “القضية”.
لكن النتيجة كانت واضحة، حروب أهلية، اجتياحات، انهيار اقتصادي، عزلة دولية، وتحول اللبنانيين إلى رهائن لصراعات لا يتحكمون بها.
لهذا لا يمكن فصل المفاوضات الحالية عن سؤال الدولة نفسه. فالمسألة ليست فقط وقف الحرب، بل منع إعادة إنتاج شروطها.
وهنا يصبح الحديث عن “حوار داخلي” لنزع السلاح أقرب إلى تكرار تجربة لبنانية أثبتت محدوديتها. فالتجربة تقول إن السلاح المرتبط بوظيفة إقليمية لا يُنزع بالنقاش، بل يتراجع عندما تتغير البيئة السياسية التي تحميه.
ومن هنا تأتي حساسية اللحظة الحالية، للمرة الأولى يُطرح مسار يربط الاستقرار بإعادة تعريف وظيفة السلاح والدولة، لا فقط بإدارة توازنات مؤقتة.
بين مشروع الدولة ومشروع الساحة
الحرب الأخيرة كشفت انقساماً لبنانياً أعمق من السياسة التقليدية. فهناك مشروعان يتعايشان بصعوبة داخل بلد واحد، مشروع يريد لبنان دولة طبيعية، أولوية سكانها الاستقرار والاقتصاد والعلاقات الطبيعية مع محيطها العربي والدولي.
ومشروع آخر يرى لبنان جزءاً من محور إقليمي مفتوح على الحروب، حيث تتقدّم “القضية الكبرى” على حساب الدولة والمجتمع.
هذا الانقسام لم يعد قابلاً للتمويه عبر التسويات الرمادية. فالصيغة القديمة، التي جمعت دولة ضعيفة مع سلاح قوي فوقها، لم تعد تنتج استقراراً، بل تؤجّل الانفجار.
لهذا تبدو المفاوضات الحالية لحظة كشف أكثر منها لحظة حل. فهي تكشف أن الأزمة ليست تقنية أو ديبلوماسية، بل أزمة تعريف لبنان نفسه، دولة نهائية أم ساحة دائمة؟
ما الذي يجب أن يريده لبنان؟
أخطر ما في النقاش اللبناني أنّه يناقش “الشروط” قبل تحديد الهدف. لكن ما الذي يمكن أن يريده لبنان فعلياً؟
ليس الاستسلام، ولا أوهام الانتصار، بل مسار تدريجي يعيد إنتاج الدولة، 1- وقف طويل الأمد للحرب، 2- منع استخدام الجنوب كساحة دائمة للصراع، 3- تعزيز احتكار الدولة للسلاح، 4- ربط الإعمار بالإصلاح والسيادة، 5- وحماية لبنان من التحول إلى ورقة تفاوض خارجية.
هذا المسار ليس سهلاً، لكنه أقل كلفة من استمرار الوضع الحالي الذي قاد إلى الانهيار والحرب والعزلة.
أما أخطر وهم فهو الاعتقاد بإمكانية العودة إلى ما قبل الحرب، دولة معلّقة، وسلاح فوقها، ومجتمع منهك يُطلب منه دفع الكلفة بلا نهاية.
لهذا، ما يجري في واشنطن ليس تفاوضاً على الحدود، بل على مستقبل لبنان نفسه. والسؤال الحاسم ليس فقط كيف تتوقف الحرب، بل أي بلد سيخرج منها، دولة تحاول استعادة نفسها، أم ساحة تنتظر الجولة التالية؟

