في لبنان، حيث تختلط الجغرافيا بالمسارح العبثية لم يعد الحدث السياسي يحتاج إلى بيانات رسمية أو تحليلات استراتيجية يكفي فيديو كرتوني بثّته LBCI ليُشعل ما عجزت عنه الحروب والأزمات.
فجأة، تحوّل نعيم قاسم إلى بطل من عالم (الأنغري بيردز) يدافع – في نسخة كرتونية فائقة البراءة – عن أرضه، فيما صُوّر الإسرائيليون على هيئة خنازير تُقصف بالصواريخ.
أي أنّ المشهد، لو أُخذ ببرود أعصاب، يكاد يكون (منحازًا) لصالح البطولة المحلية.
لكن من قال إنّ البرود مسموح في جمهورية الأعصاب المشدودة؟
المأساة – أو الكوميديا السوداء – بدأت حين قرّر جمهور حزب الله أنّ الكرامة الوطنية تعرّضت لضربة قاصمة،ليس بسبب حرب، ولا بسبب فقر، ولا بسبب تهجير، بل لأنّ القائد ظهر في هيئة طائر غاضب.
هنا، استفاقت الحساسية المقدّسة من سباتها الطويل، وأعلنت أنّ (الرموز لا تُمسّ)وكأنّ هذه القاعدة لم تكن في إجازة مفتوحة طوال كل المحطات السابقة التي مرّ بها البلد، من الحروب بالوكالة إلى الاشتباكات الداخلية التي يعرفها القاصي والداني.
ثم دخلنا المرحلة الأبهى من العبقرية الجماهيرية،الردّ على (الإساءة) عبر إنتاج إساءات أكثر إبداعًا،صور مهينة جدا مرتبطة بالأحذية (لغة اولئك القوم)طالت البطريرك بشارة الراعي ومفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان، وجرى التعامل مع الأمر وكأنّ المعادلة واضحة:(إذا أزعجك كرتون عن شخصية دينية–سياسية، فأفضل حل هو إهانة شخصيات دينية لا علاقة لها بالموضوع)
منطق رياضي جديد يستحق التسجيل في المناهج عن كيفية تحويل الإساءة إلى فتنة، والفتنة إلى إنجاز جماهيري.
والأطرف أنّ المقارنة التي طُرحت لتبرير هذا السلوك جاءت أشبه بنكتة ثقيلة: مساواة بين رجل دين يقود طائفة كالبطريرك بشارة الراعي أو المفتي عبد اللطيف دريان، وبين شخصية سياسية–عسكرية منخرطة في صراعات إقليمية، أي أنّ الفكرة ببساطة: الجميع رموز، ولا فرق بين من يقود مؤسسة دينية تقليدية ومن يقود مشروعًا سياسيًا–عسكريًا عابرًا للحدود،الفوارق؟ تفاصيل مملة لا تليق بروح الكرتون.
أما النقطة التي مرّت مرور الكرام – لأنها لا تخدم الغضب – فهي أنّ الفيديو نفسه قدّم (هدية دعائية) غير مقصودة من خلال تصوير الخصم بهيئة خنازير، وتصوير الذات بهيئة شخصيات محبّبة للأطفال.
لكن يبدو أنّ المشكلة لم تكن في كيف ظهر (العدو) بل في كيف تجرّأ أحدهم على إدخال (القداسة) إلى عالم الألعاب.
كأنّ الخطأ لم يكن في الواقع، بل في المرآة التي عكسته بطريقة ساخرة.
وفي خضم هذا العرض، يبرز مشهد أكثر عبثية ،بلد يعاني من أزمات وجودية – من الحرب إلى الفقر إلى التهجير – يجد نفسه غارقًا في معركة حول كرتون،جمهور يرفع سقف الغضب إلى أقصاه، لا ليطالب بحلول، بل ليطالب باحترام صورة طائر،وإعلام يكتشف أنّ السخرية، مهما كانت بسيطة، كفيلة بإشعال فتنة جاهزة أصلًا، تنتظر أي شرارة لتثبت حضورها.
في النهاية، قد يكون الفيديو الكرتوني قد أخطأ في الذوق أو أصاب، لكن الردّ عليه كشف حقيقة أعمق بكثير ،في هذا البلد، لم تعد الفتنة تحتاج إلى خطاب معقّد أو مشروع كبير، يكفي طائر غاضب ليُسقط ما تبقّى من تماسك.
وهكذا، بينما يستمر الجميع في الدفاع المستميت عن الكرامة الكرتونية، تمضي الكرامة الحقيقية في طريقها… بهدوء، ومن دون جمهور.
د. ص

