لبنان بين خطابين: خيار الدولة والمؤسسات أم خيار المواجهة المفتوحة؟.. قراءة في ثنائية «الإعمار» و«الدمار»

نعيم قاسم وجوزاف عون
الاستقرار لا يُبنى بالتمنيات، بل بقرارات سياسية جريئة تضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار. إن لبنان بحاجة ماسة لانتصار "خطاب البناء والاعمار" على "خطاب الحرب والدمار". فإذا لم يتراجع حزب الله عن الخطيئات الاستراتيجية، وإذا لم تدرك القوى المهيمنة أن استمرار السلاح خارج إطار الدولة هو عامل هدم لا عامل بناء، فإن لبنان سيظل أسير حلقة مفرغة من العنف.

يقف لبنان في هذه المرحلة الزمنية الدقيقة من عام 2026 أمام مشهد سياسي ووطني معقد، حيث تتصادم رؤيتان استراتيجيتان لمستقبل البلاد.

هذا الصراع ليس مجرد خلاف في وجهات النظر السياسية، بل هو جوهر “أزمة هوية” تعصف بالكيان اللبناني، وتضع اللبنانيين أمام خيارين لا ثالث لهما: إما العودة إلى كنف الدولة والعمل على إعادة البناء والاستقرار، أو الاستمرار في نهج “المواجهة المفتوحة” الذي يعيد تعريف الوطن كساحة صراع إقليمي.

يجسد هذا الانقسام الخطاب الصادر عن رئيس الدولة جوزاف عون، والخطاب المقابل للأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم.

خطاب الدولة.. طريق الاستقرار والتعافي

أفقد شار رئيس الجمهورية في حديثه اليوم، إلى أنه قبل بدء المفاوضات بدأ البعض بتوجيه سهام الانتقادات والتخوين، والادعاء اننا نذهب الى المفاوضات مستسلمين، وقال: “انتظروا لتبدأ المفاوضات واحكموا على النتيجة”. وتساءل :”الى متى سيظل أبناء الجنوب يدفعون ثمن حروب الآخرين على أرضنا، وآخرها حرب اسناد غزة وحرب اسناد ايران. فلو كانت الحرب تحصل من اجل لبنان، لكنا أيّدناها، ولكن حين يكون هدف الحرب تحقيقاً لمصلحة الآخرين، فأنا أرفض الحرب تماماً.”

يستند الخطاب الرئاسي للرئيس جوزاف عون إلى مفهوم “السيادة الوطنية المسؤولة”. يرى هذا الخطاب أن الدولة هي المظلة الوحيدة التي تحمي المواطنين، وأن لبنان لا يمكنه الاستمرار في دفع أثمان حروب إقليمية لا تخدم مصلحته الوطنية.

يطرح عون رؤية قائمة على الدبلوماسية، والالتزام بالقوانين الدولية، والعمل على تثبيت وقف إطلاق نار دائم كخطوة أولى نحو الخلاص.

إقرأ أيضا: نعيم قاسم: المفاوضات المباشرة لا تعنينا والحل يبدأ بوقف العدوان وتحصيل النقاط الخمس

في رؤية عون، “الخيانة” ليست في التفاوض لحماية الناس، بل في زجّ البلاد في أتون صراعات لا طائل منها، وفي تحويل الأرض اللبنانية إلى ورقة ضغط في مفاوضات لا تتقاطع مع مصالح الشعب اللبناني.

يركز هذا النهج على حماية الجنوب، تلك المنطقة التي أصبحت مرادفاً للنزوح المستمر والدمار، من خلال العودة إلى منطق “اتفاقيات الهدنة” التي تضمن حداً أدنى من الأمن والسيادة. إنها دعوة صريحة لانتشال البلاد من “دوامة عدم الاستقرار”، والبدء بورشة إعمار شاملة تتطلب استقراراً أمنياً لا يتحقق إلا بقرار سياسي وطني خالص، بعيداً عن الإملاءات الخارجية.

خطاب “المقاومة”.. فلسفة المواجهة الوجودية

على الضفة الأخرى، يقدم الشيخ نعيم قاسم خطاباً يغلب عليه الطابع الأيديولوجي الوجودي. يرفض هذا الخطاب منطق الدولة التقليدي، معتبراً أن “المقاومة” ليست مجرد أداة عسكرية، بل هي هوية وجودية لا يمكن التخلي عنها.

فقد قال اليوم في بيان منتقدا الدولة ”في هذا الجو من التضحية والعزة وهزيمة العدو، سارعت السلطة إلى تنازل مجاني مذلّ، ولا ضرورة له، مُبرّره الوحيد هو الإذعان بلا بدل ولو بمقدار عَفْطَةِ عَنز. نرفضُ التفاوض المباشر رفضًا قطعيًا، وليعلم أصحاب السلطة بأنّ أداءهم لن ينفع ​لبنان​ ولن ينفعهم، فما يريده العدو الإسرائيلي الأميركي منهم ليس بيدهم، وما تريدونه منه لن يمنحكم إياه”.

في نظره، أي تفاوض مباشر هو “إذعان” و”استسلام”، ويصرّ على أن السلاح هو الضمانة الوحيدة، رغم التحديات الميدانية والدمار الذي يلحق بالبنى التحتية.

يعتمد خطاب قاسم على ثقافة “الصمود والتضحية”، حيث يرى في المعارك المستمرة ملحمة كربلائية تتطلب دفع الأثمان الغالية مقابل “العزة”. هذا الخطاب يغلق الأبواب أمام التسويات، ويؤكد على استمرارية القتال كخيار استراتيجي لا بديل عنه.

تكمن إشكالية هذا النهج في كونه يتجاهل موازين القوى ويغفل الأثر التدميري طويل الأمد على النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبنان. إنه خطاب يعلي من شأن “المعركة” فوق “الدولة”، ويجعل من استمرار السلاح غاية في حد ذاتها، مما يضع مستقبل أجيال كاملة في مهب الريح.

المواطن بين مطرقة الدمار وسندان الترقب

في وسط هذا التجاذب بين خطابين، يقف المواطن اللبناني في الجنوب وبقية المناطق حائراً. لقد أدى استمرار المواجهات إلى نزوح آلاف الأسر، وتدمير القرى، وتعطيل الدورة الاقتصادية.

إن الفجوة بين رؤية الرئيس عون التي تتطلع إلى بناء مستقبل، ورؤية الشيخ قاسم التي تصر على البقاء في خندق المواجهة، تعكس انقساماً مجتمعياً عميقاً.

الجنوب اللبناني، الذي كان ينبغي أن يكون نموذجاً للزراعة والاستقرار، تحول بفعل هذا الانقسام إلى خط تماس دائم. إن سياسة “الإسناد” و”الحروب بالوكالة” التي أشار إليها الرئيس عون، أثبتت أنها تنهك البنى التحتية وتستنزف الطاقات البشرية، دون أن تقدم حلولاً مستدامة للأزمات الوطنية.

إن التساؤل المشروع هنا هو: إلى متى يستمر دفع فاتورة الحروب التي لا تهدف إلى تحرير بقدر ما تهدف إلى تثبيت نفوذ إقليمي؟

هل من سبيل نحو وطن واحد؟

إن المقارنة بين الخطابين تكشف عن أزمة وطنية وجودية. فلبنان اليوم لا يواجه أزمة اقتصادية فحسب، بل يواجه أزمة “مشروع وطن”. الخطاب الذي يتبناه الرئيس عون يفتح نافذة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، عبر استعادة قرار الدولة والتحصن بالشرعية الوطنية والدولية. بينما الخطاب الذي يتبناه الشيخ قاسم يغلق الآفاق، ويدفع البلاد نحو نفق مظلم من الاستنزاف الذي لا ينتهي.

الاستقرار لا يُبنى بالتمنيات، بل بقرارات سياسية جريئة تضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار. إن لبنان بحاجة ماسة لانتصار “خطاب البناء والاعمار” على “خطاب الحرب والدمار”.

فإذا لم يتراجع حزب الله عن الخطيئات الاستراتيجية، وإذا لم تدرك القوى المهيمنة أن استمرار السلاح خارج إطار الدولة هو عامل هدم لا عامل بناء، فإن لبنان سيظل أسير حلقة مفرغة من العنف.

إن التاريخ لن يرحم من يصر على تحويل الوطن إلى ساحة تصفية حسابات، بينما يتطلع اللبنانيون إلى وطنٍ يعيشون فيه بكرامة، آمنين، ومستقرين، بعيداً عن أهوال الحرب.

السابق
الرئيس عون: نرفض حروب الآخرين على أرضنا.. والخيانة هي جرّ لبنان للدمار
التالي
الخارجية الأميركية ترصد مكافأة بـ 10 ملايين دولار مقابل معلومات عن قيادي في «الفصائل العراقية» من هو حيدر الغراوي؟