في مشهدٍ ميداني يتناقض كلياً مع مقتضيات وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 17 نيسان 2026، يشهد جنوب لبنان وبعض مناطق البقاع الغربي تصعيداً إسرائيلياً يتسم بـ “التدمير الممنهج”. وبينما تتصاعد أصوات الانفجارات في البلدات الحدودية، يجد الأهالي أنفسهم أمام واقعٍ يصفونه بـ “سياسة الإبادة” في ظل خروقات تتجاوز المئتي خرق موثق للهدنة.
وأفادت “الوكالة الوطنية للإعلام” في لبنان بسقوط ضحية وجريحين جراء غارة نفذتها طائرة مسيرة إسرائيلية فجرًا، استهدفت أطراف منطقة “الجبور”.
وتأتي هذه الغارة في سياق تصعيدٍ متبادل؛ إذ أعلن الجيش الإسرائيلي عن تنفيذ ضربات استهدفت مواقع تابعة لحزب الله في الجنوب، زاعمًا أنها جاءت ردًا على إطلاق صواريخ استهدفت جنوده المنتشرين في المنطقة.
كما أكد الجيش الإسرائيلي اعتراضه طائرة مسيرة أُطلقت من لبنان قبل دخولها الأجواء الإسرائيلية، متهماً الجانب اللبناني بارتكاب “انتهاكات صارخة” للهدنة التي دخلت حيز التنفيذ يوم الجمعة الماضي.
خريطة الدمار: استهداف شامل للبنى التحتية والمنازل
وتتواصل العمليات العسكرية الإسرائيلية، متجاوزةً طابع القصف العشوائي إلى “هدم منظم” يطال الوحدات السكنية والمعالم التراثية والبيئية. وقد سجلت الساعات الأخيرة التطورات التالية:
- البقاع الغربي: أفادت “الوكالة الوطنية للإعلام” بسقوط ضحية وجريحين نتيجة غارة شنتها مسيّرة إسرائيلية فجراً على أطراف بلدة الجبور.
- البلدات الحدودية:
- البياضة: نفذت القوات الإسرائيلية عمليات نسف لعدد من المنازل، مما أدى لاهتزازات مسموعة في مدينة صور.
- عيتا الشعب: تدمير وتجريف ممنهج للمنازل، إضافة إلى محال تجارية في الشارع العام.
- الخيام: تستمر عمليات التفجير على مدار الساعة، مستهدفة المنازل، المباني العامة، والمساجد.
- وادي السلوقي: تقوم دوريات مؤللة وجرافات بتجريف الطرقات، بينما تتعرض أطراف بلدتي شقرا وحولا لقصف مدفعي وعمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة.
- إقرار إسرائيلي بالخطأ: في المقابل، نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن مصدر عسكري إسرائيلي إطلاق صاروخ اعتراضي في أجواء جنوب لبنان صباح اليوم، معللةً ذلك بـ “تشخيص خاطئ”.
“حزب الله”: الرد على خروقات الهدنة
وفي سياق ردوده الميدانية، أعلن “حزب الله” أمس الثلاثاء عن استهداف مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في مستوطنة “كفرجلعادي”، التي كانت مصدراً للقصف الأخير باتجاه بلدة يحمر الشقيف. وأكد الحزب في بيانه أن هذا الرد جاء نتيجة “الخروقات الفاضحة والموثقة” التي تجاوزت 200 خرق، وتضمنت اعتداءات مباشرة على المدنيين وتدمير قراهم.
بلدية بنت جبيل: “إبادة” بمعايير غير مسبوقة
أطلقت بلدية بنت جبيل صرخة مدوية، واضعةً ما تتعرض له المدينة والقرى الجنوبية في خانة “الإبادة” بمعناها الواسع. وقد صنفت البلدية الجرائم المرتكبة وفق تصنيفات دولية دقيقة:
- الإبادة الحضرية (Urbicide): عبر محو أحياء سكنية كاملة، وطمس الهوية التراثية (خاصة في الساحة القديمة وحارة الجماعنة)، وتدمير المسجد الكبير الذي يتجاوز عمره 400 عام.
- إبادة المنازل (Domicide): من خلال القصف المباشر والتفخيخ والهدم المنهجي لمئات الوحدات السكنية.
- الإبادة البيئية (Ecocide): نتيجة حرق الأراضي الزراعية والغابات باستخدام القنابل الفسفورية والحارقة، ما تسبب في خسارة آلاف أشجار الزيتون والصنوبر المعمرة.
نداء عاجل ومطالب ملحة
أمام هذا الواقع، شددت بلدية بنت جبيل على أن ما يجري يمثل انتهاكاً صارخاً لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، داعيةً إلى:
- تحرك الدولة اللبنانية: تفعيل القنوات الدبلوماسية والقانونية فوراً لتوثيق الجرائم ورفعها للمحاكم الدولية.
- المجتمع الدولي والأمم المتحدة: الضغط الجاد لفرض وقف الانتهاكات، إلزام إسرائيل باحترام الهدنة، والانسحاب الفوري من القرى المحتلة لتمكين الأهالي من العودة.
- الإغاثة وإعادة الإعمار: تأمين دعم عاجل للمتضررين، والحفاظ على ما تبقى من الإرث التاريخي والبيئي.
ختمت البلدية بيانها بالتأكيد على أن هذه الجرائم، رغم قسوتها، لن تنال من إرادة الحياة والصمود لدى أهالي الجنوب، الذين يتمسكون بحقهم في البقاء ومقاومة محاولات التهجير والإبادة.

