تتجه الأنظار غداً الخميس إلى العاصمة الأميركية واشنطن، حيث تنطلق جولة جديدة من التحركات الدبلوماسية التي تُوصف بأنها “الفرصة الأكثر جدية” منذ اندلاع الحرب الأخيرة. الاجتماع المرتقب في مقر وزارة الخارجية الأميركية، بحضور السفيرين اللبناني والإسرائيلي وممثلين عن الإدارة الأميركية، ليس مجرد لقاء بروتوكولي، بل هو اختبار حقيقي لإمكانية تحويل “الهدنة الهشة” إلى مسار سياسي مستدام.
عقبات في طريق الحل
تقف أمام هذه المفاوضات سلسلة من العقد المتشابكة التي تجعل من الوصول إلى “اتفاق شامل” أمراً بالغ الصعوبة. أولى هذه العقبات هو تفكك القرار اللبناني، فبينما تحاول الدولة اللبنانية، عبر قنوات دبلوماسية معينة، تثبيت وقف إطلاق النار وتحديد أطر للمفاوضات، يعيش الداخل اللبناني انقساماً حاداً حول جدوى هذه الخطوة. الدولة اللبنانية منهكة، تبحث عن مخرج لإنهاء النزيف، بينما يقف “حزب الله” موقفاً متوجساً، بل ومعارضاً لأي مسار تفاوضي قد يُفسر على أنه استسلام أو خروج عن “محور الممانعة”.
العقبة الثانية هي الارتباط الإقليمي، فملف الجنوب اللبناني لم يعد ملفاً محلياً، بل تحول إلى ورقة في حقيبة المفاوضات الإيرانية-الأميركية.
وفي ظل “الازدواجية الإيرانية” – حيث تفاوض طهران واشنطن ببراغماتية حول ملفاتها النووية والإقليمية، بينما تُمنع أطرافها في لبنان من الانخراط في أي مسار تفاوضي – يظل القرار اللبناني رهينة لحسابات طهران التي تخشى أن يؤدي أي تفاوض لبناني مستقل إلى فقدانها ورقة ضغط استراتيجية في مفاوضاتها الكبرى.
هل يستطيع “حزب الله” إفشال المفاوضات؟
السؤال الذي يطرحه الكثيرون: هل يملك الحزب القدرة على “نسف” هذا المسار؟ الإجابة المختصرة هي نعم. الحزب، من خلال هيمنته على مفاصل القرار الأمني والسياسي في الجنوب، وعبر خطابه الإعلامي الذي يخوّن خيار التفاوض المباشر ويصفه بالعمالة، يملك “فيتو” عملياً على أي تسوية.
إقرأ أيضا: خسائر الحرب ترهق الجنوبيين..وصواريخ الحزب أحدثت شرخاً مع الرئيس عون
إن الحزب يخشى أن تؤدي المفاوضات إلى تغيير القواعد التي أرساها منذ سنوات، وتحديداً ما يتعلق بسلاحه ووجوده في المنطقة الحدودية. وبالتالي، فإن إفشال المفاوضات قد لا يكون بالضرورة عبر رفض الحضور إلى الطاولة، بل من خلال “خلق ظروف ميدانية” تمنع إنجاحها، سواء عبر استئناف العمليات العسكرية بحجة “الاستفزازات الإسرائيلية”، أو من خلال ممارسة ضغط شعبي وسياسي يجعل أي تفاوض بمثابة “انتحار سياسي” لمن يشارك فيه.
فرص النجاح والسيناريوهات المحتملة
رغم سوداوية المشهد، لا يزال هناك بصيص أمل يعتمد على “الضغط الأميركي”. واشنطن اليوم، وبإدارة ترامب التي تتبنى نهجاً حازماً، تسعى لفرض نوع من الاستقرار عبر تمديد الهدنة (لمدة تتراوح بين 20 و40 يوماً)، مما يعطي فرصة لبناء الثقة.
بناءً على ذلك، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات محتملة:
- سيناريو “التجميد الإيجابي”: وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً، حيث ينجح المجتمع الدولي في الحفاظ على وقف إطلاق النار دون الوصول إلى اتفاق سلام نهائي. يستمر الوضع “الرمادي” الحالي، وتستمر المفاوضات كغطاء لمنع الانفجار، مع تعليق القضايا الكبرى (مثل تثبيت الحدود البرية ونزع السلاح) إلى حين تبلور تسوية إقليمية شاملة.
- سيناريو “الانهيار المدوي”: في حال تدهور العلاقات بين واشنطن وطهران، أو إذا قرر “حزب الله” أن الوقت قد حان لاستعادة المبادرة الميدانية، قد تنهار المفاوضات وتعود الحرب إلى المربع الأول. هنا، سيصبح لبنان ساحة مفتوحة لسيناريو “غزة” الذي لوح به المسؤولون الإسرائيليون، وهو سيناريو كارثي للبنان الدولة والشعب.
- سيناريو “الخيار الصعب”: وهو أن تفرض التطورات الإقليمية على الحزب القبول بالتفاوض كخيار وحيد للنجاة، على غرار “البراغماتية الإيرانية”. في هذا السيناريو، قد يقبل الحزب بتفاوض “غير مباشر” عبر وسطاء، يحفظ له ماء الوجه ويجنب لبنان الانهيار الشامل، مقابل ضمانات دولية معينة.
إن مفاوضات واشنطن هي رقصة على حافة الهاوية. فلبنان لا يحتاج إلى “هدنة” فحسب، بل إلى “قرار سيادي” يحرر قراره الوطني من الوصاية الإقليمية. إذا لم تدرك القوى السياسية، وعلى رأسها “حزب الله”، أن كلفة الاستمرار في “رهن” لبنان للمصالح الإيرانية قد باتت وجودية، فإن أي اجتماع في واشنطن لن يعدو كونه محاولة لملء الوقت، بانتظار العاصفة القادمة. فرصة النجاح مرهونة بمدى قدرة الدولة اللبنانية على تقديم “مقترح موحد” – وهو المطلب الذي يلح عليه ترامب – بدلاً من تعدد الرؤوس الذي يضع لبنان دائماً في مهب الريح.

