حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: وقاحة النفاق.. هذيان الانتصار وهمجية الاحتفال بالخسارة

حارث سليمان
 أن ما يجري ليس احتفالًا بنصر، بل احتفال بإنكار الواقع، ومن يحتفل بخسارة على أنها انتصار، لا يؤسس لمقاومة، بل يشرّع لتكرار الكارثة، ومن يحوّل الهزيمة إلى عقيدة، والخسارة إلى نشيد تعبئة، لا يحمي وطنًا، بل يدفعه إلى جولات جديدة من الخراب.

بين نهاية حرب “إسناد غزة” وبداية ما سُمّي حرب الثأر لاغتيال السيد علي خامنئي، انقضت خمسة عشر شهرًا شكّلت، بكل ما حفلت به من تحولات، اختبارًا سياسيًا وعسكريًا وأخلاقيًا لمعنى الحرب، ولمعنى الدولة، ولمعنى الانتصار نفسه. وخلال هذه المرحلة، لم يتوقف حزب الله عن مهاجمة المسار الدبلوماسي الذي تبنّته الدولة اللبنانية في مواجهة إسرائيل، رغم أن هذا المسار لم يكن خيارًا مستقلاً للدولة، بل التزامً منها ناتجً عن اتفاق أبرمته الثنائية الشيعية نفسها، أي أمل وحزب الله. والمفارقة التي تكشف جوهر هذا النفاق، أن الحزب كان يطالب الحكومة والعهد بالتراجع عن اتفاق وقّعه هو بنفسه، وأن تنقض الدولة ما ألزمها به هو وأخوه الأكبر.

وفي الوقت الذي كان يطالب فيه إسرائيل بتنفيذ التزاماتها، كان يمتنع عن تنفيذ ما يترتب عليه من موجبات، وفي مقدمتها نزع سلاحه، وتسليم مستودعاته ومخازنه ومصانعه العسكرية إلى الجيش اللبناني، كما نص الاتفاق. وكانت حجته في الامتناع عن التنفيذ أن إسرائيل لم تنسحب من خمس نقاط حدودية تقع على بعد مئات الأمتار داخل الحدود اللبنانية. ومع ذلك، لم يكن الحزب يكتفي برفض الالتزام، بل كان يهاجم المسار الدبلوماسي نفسه، ويتوعّد، بصورة متكررة، بالعودة إلى الخيار العسكري عند نفاد صبره.

أي منطق يجعل من التهجير انتصارًا؟ ومن خراب الجنوب انتصارًا؟ ومن توسيع الاحتلال انتصارًا؟ ومن الانتقال إلى شروط تفاوضية أشد وطأة انتصارًا؟

والحقيقة أن ما سُمّي “اتفاق الإذعان”، الذي أبرمه نبيه بري بموافقة حزب الله، لم يكن بالنسبة للحزب سوى هدنة اضطرارية، وفرصة لالتقاط الأنفاس، واستقدام اعداد اضافية من الحرس الثوري الإيراني الى لبنان لإعادة بناء الجهوزية العسكرية واستعادة القدرات التي دمّرتها الحرب، رغم أن الاتفاق قام أساسًا على منع هذا المسار. لقد سعى الحزب إلى وقف إطلاق النار لا لأنه رفض الإذعان، بل لأنه كان في لحظة انهيار عسكري، بعد أن قضت اسرائيل خلال حرب اسناد غزة على قياداته وكوادره ومراكزه ومخازن سلاحه.

وخلال  المرحلة بين الحربين، واصلت إسرائيل حرب استنزاف ثالثة، واستهدفت تحركات الحزب ومراكزه، وقتلت ما لا يقل عن ست مائة من مقاتليه ومسؤوليه. ومع ذلك، اختار الحزب الانقلاب على المسار الدبلوماسي إلى الخيار العسكري، لا لتحرير النقاط الخمس التي اتخذها ذريعة، بل في لحظة انفجار الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران ومعها حزب الله من جهة أخرى. وكان السؤال البديهي: إذا كانت الحرب الجديدة قد شُنّت لإسقاط اتفاق الإذعان، فما الذي أنتجته؟ وأي واقع جديد فرضته؟

الجواب صادم، لأن الوقائع لا تُرحم. فبدل أن تنسحب إسرائيل من خمس نقاط حدودية، أصبحت تحتل ثماني عشرة تلة مشرفة على عمق لبنان يتراوح امتداده بين ثمانية وعشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. وبدل أن يكون الاحتلال محصورًا بنقاط محدودة خارج القرى، تمدّد إلى واقع جديد يطال ثلاثين قرية ومدينة، بينها الخيام وبنت جبيل.

وقبل حرب الثأر لخامنئي، لم تكن إسرائيل تتمركز داخل أي قرية لبنانية، وكان سكان غالبية قرى الحافة الأمامية ( حولا وعيترون ورب ثلاثين ومارون الراس وغيرها قادرين، بنسب متفاوتة، على العودة إلى بغض بيوتهم غير المدمرة، وكانت هذه القرى مأهولة بنسب تراوحت بين ثلاثين وخمسين في المئة. أما بعد الحرب، فقد استُحدث العدو “الخط الأصفر”، الذي يمنع عودة أهالي خمس وخمسين قرية جنوبية إلى منازلهم. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل بقيت إسرائيل طليقة اليد في مواصلة عملياتها العسكرية ضد الحزب، تحت ذريعة مواجهة أخطار مخطط لها، أو وشيكة الوقوع، أو جارية.

قبل حرب الثأر لخامنئي، لم تكن إسرائيل تتمركز داخل أي قرية لبنانية، وكان سكان غالبية قرى الحافة الأمامية ( حولا وعيترون ورب ثلاثين ومارون الراس وغيرها قادرين، بنسب متفاوتة، على العودة إلى بغض بيوتهم غير المدمرة، وكانت هذه القرى مأهولة بنسب تراوحت بين ثلاثين وخمسين في المئة

وقبل هذه الحرب، كانت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل تجري عبر “الميكانيزم”، أي عبر هيئة عسكرية للتفاوض غير المباشر، ثم جرى ترفيعها بإشراك مدني-سياسي هو السفير سيمون كرم. أما بعد هذه الحرب، فقد أصبح التفاوض مباشرًا، وعبر وفود سياسية وسفراء من الجانبين. والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لهذا الانحدار من تفاوض غير مباشر إلى تفاوض مباشر أن يُسوّق على أنه إنجاز؟ أليس هذا انتقالًا إلى شروط سياسية أشد قسوة مما كان قائمًا؟

هل هذه حصيلة ربح أم حصيلة خسارة؟ وهل يحتاج العقل إلى جهد ليدرك حجم الكارثة؟

 بعد أيام عصيبة عاشها اللبنانيون جميعًا، وبعد تهجير ما يقارب مليون لبناني، وسقوط آلاف القتلى، وخراب القرى والمدن، بأي منطق يُطلب من الناس الاحتفال بالنصر؟ أي نصر هذا الذي يُفرض بالقوة، وتُطلق النار في وجه الناس والمدنيين العزل لإرغامهم على التصفيق له؟ كأن المطلوب ليس إقناع الناس بالنصر، بل إخضاعهم لمسرحية من الانكار والمكابرة.

إذا كان وقف إطلاق النار في تشرين 2024 وُصف باتفاق إذعان، فهل أنتجت هذه الحرب اتفاقًا أفضل منه؟ أم أنها، بدل إسقاط الإذعان، انتهت إلى إذعان أشد؟ وإذا كانت الحرب قد أدت إلى خسائر بشرية هائلة، وضرب البنية القيادية والعسكرية، وتراجع ميداني، وخسارة أراضٍ جديدة، وفرض وقائع تفاوضية أسوأ، فما الذي بقي من تعريف النصر؟ وكيف توصف الخسارة

أي منطق يجعل من التهجير انتصارًا؟ ومن خراب الجنوب انتصارًا؟ ومن توسيع الاحتلال انتصارًا؟ ومن الانتقال إلى شروط تفاوضية أشد وطأة انتصارًا؟

إذا كان وقف إطلاق النار في تشرين 2024 وُصف باتفاق إذعان، فهل أنتجت هذه الحرب اتفاقًا أفضل منه؟ أم أنها، بدل إسقاط الإذعان، انتهت إلى إذعان أشد؟حارث

إن تحويل هذه الوقائع إلى ملحمة نصر، ليس مجرد تضليل سياسي، بل حالة من الهذيان الجماعي، يراد فرضها على الناس بقوة التعبئة، وبالعنف الرمزي، وأحيانًا بالسلاح نفسه. وهنا تتضاعف المشكلة: ليست فقط في تزوير معنى النصر، بل في همجية الاحتفال به.

فالاحتفال بنصر مزيف، فيما الناس لم تعد إلى قراها، والأرض خسرت، والسيادة انتقصت، والدماء لم تجف، ليس احتفالًا، بل استفزاز للضحايا أنفسهم. ومحاولة لترويعهم واخضاعهم لمنعهم من رفع اصواتهم للتقييم والمساءلة، فالقذائف التي تنفجر فوق الرؤوس والمنازل رسالة تقول مازلنا اقوياء لنبقى خارج الملامة و المحاسبة،  إن ما يُحتفل به ليس نصرًا، بل رواية مصطنعة لتغطية الخسارة. وكلما عظمت الخسارة، ارتفع منسوب الصراخ بالنصر.

لكن الوقائع لا تغيّرها الشعارات، والخرائط لا تمحوها الخطب، والناس التي دفعت الثمن تعرف الفرق بين الانتصار الحقيقي وبين هذيان الانتصار. أما إطلاق النار في وجه المدنيين وفرض الابتهاج بالقوة، فليس دليل قوة، بل دليل خوف من الحقيقة، لأن من يملك نصرًا حقيقيًا لا يحتاج إلى إرغام الناس على الاحتفال به.

 أن ما يجري ليس احتفالًا بنصر، بل احتفال بإنكار الواقع، ومن يحتفل بخسارة على أنها انتصار، لا يؤسس لمقاومة، بل يشرّع لتكرار الكارثة، ومن يحوّل الهزيمة إلى عقيدة، والخسارة إلى نشيد تعبئة، لا يحمي وطنًا، بل يدفعه إلى جولات جديدة من الخراب.

إن أخطر ما في هذه اللحظة ليس فقط وقاحة النفاق، ولا فقط هذيان الانتصار، بل همجية الاحتفال بالخسارة، لأن الكذب حين يتحول إلى سلوك اعتيادي، يصبح تمهيدًا لكارثة أكبر.

إنه هذيان الانتصار… وهمجية الاحتفال به

السابق
من هو علي رضا عباس.. إسرائيل تغتال قائدا كبيرا في قوات «الرضوان»
التالي
«حق الدفاع» لإسرائيل والالتزامُ المطلق علينا: قراءةٌ في فخاخ الاتفاق