في المقلب السني من بعلبك ـ الهرمل، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا من الثنائية التقليدية بين التأييد والرفض. فصحيح أن وصول أحمد الشرع إلى السلطة في سوريا ترك أثرًا إيجابيًا لدى شرائح واسعة من سنة البقاع، إلا أن هذا الارتياح السياسي لا يترجم، بالضرورة، إلى قبول بأي تدخل عسكري سوري داخل لبنان. بل إن المزاج الغالب، وفق شهادات ميدانية متعددة، يميل إلى رفض واضح لهذا السيناريو، ولو مع وجود رغبة ضمنية لدى بعض الفئات في رؤية “حزب الله” أضعف وأقل قدرة على فرض هيمنته.
أمين عام “جبهة أحرار لبنان” نضال أبو شاهين يختصر هذا المزاج بالقول إن هناك وجهتي نظر واضحتين في المنطقة. الأولى تنتمي إلى الناس العاديين الذين يعبرون إلى سوريا ويعودون منها، ويعبّرون عن ارتياحهم لحسن الاستقبال، سواء عند المعابر أو خلال زياراتهم لمناطق مثل السيدة زينب وحمص. أما الثانية، فهي، بحسب وصفه، حالة “شحن عام” ذات خلفيات سياسية، يغذيها “حزب الله” لأنه معنيّ بتكريس النظام السوري الجديد كخصم وعدو في الوعي الشيعي.

الحشود على الحدود: ضبط تهريب لا تمهيد لاجتياح
يقدّم أبو شاهين تفسيرًا مختلفًا تمامًا لما يجري على الحدود. فبرأيه، انتشار الجيش السوري هناك لا يُقرأ كتمهيد لتدخل داخل لبنان، بل كإجراء أمني هدفه الأساسي منع تهريب الأسلحة من مخازن كانت سابقًا تعود لإيران و”حزب الله”، وتعمل على سحبها شبكات تهريب سورية تنشط مقابل بدلات مالية مجزية.
ويقرّ بأن الفساد في أي منظومة أمنية قد يفتح الباب أمام اختراقات أو شراء ولاءات، لكنه يعتبر أن تضخيم المشهد وتحويله إلى مقدمة لاجتياح عسكري يدخل في باب “الشطحات السياسية” أكثر مما يستند إلى وقائع. فالمخيلة المذهبية، كما يقول، قادرة على تحويل إجراء حدودي إلى تهديد وجودي، وهذا ما يحصل اليوم إلى حد بعيد في بعض الأوساط الشيعية.
العشائر بين الولاء السياسي والخسارة الاقتصادية
وفي ما يتعلق بعشائر الهرمل وبعلبك، يؤكد أبو شاهين أن الصورة ليست موحدة أيضًا. فثمة اتجاه يدعو إلى أفضل العلاقات مع سوريا الجديدة، ويتصدره، بحسب قوله، أحد وجهاء عشيرة آل جعفر، ياسين علي حمد جعفر، في مقابل اتجاه آخر أكثر التصاقًا بخيارات “حزب الله” وخطابه.
ومع إقراره بأن القسم الأكبر من العشائر لا يزال مؤيدًا للحزب، يشير إلى وجود شريحة وازنة داخلها لها موقف مختلف. كما يلفت إلى عامل بالغ الأهمية غالبًا ما يغيب عن التحليل السياسي، وهو العامل الاقتصادي. فإغلاق ممرات التهريب التقليدية وتشديد الرقابة على الحدود ألحقا ضررًا مباشرًا ببعض المصالح المرتبطة بالعشائر، ما انعكس سلبًا على نظرة بعض المتضررين إلى النظام السوري الجديد، ورفع منسوب التوتر تجاهه.
“الشرع بعد عبد الناصر”… ولكن بلا تفويض عسكري
في توصيف لافت، يرى أبو شاهين أن أحمد الشرع بات، لدى شرائح واسعة من السنة في لبنان، الشخصية الأكثر حضورًا منذ جمال عبد الناصر. ويقول إن هذه الحالة واضحة في عدد من بلدات البقاع، من الفاكهة وعرسال إلى شعث ومدينة بعلبك والعين ومعربون والنبي سباط وغيرها.
لكن هذا التأييد، كما يوضح، لا يعني إطلاقًا القبول بعودة الجيش السوري إلى لبنان. فالتجربة التاريخية مع الوصاية السورية، بما حملته من قمع وهيمنة على القرار اللبناني، لا تزال حيّة في الذاكرة الجماعية، وتمنع تحويل الإعجاب السياسي بالشرع إلى شيك على بياض لأي سيناريو عسكري.
خطاب سيادي… وميول غير معلنة
هذا المعنى تؤكده الباحثة السياسية ديما الصلح، التي تصف العلاقة بين السنة والشيعة في بعلبك ـ الهرمل، بعد سقوط نظام بشار الأسد، بأنها “توازن دقيق” لا يخلو من توتر. فالسنة، بحسب قراءتها، يشعرون بأن اختلالًا طويلًا في موازين القوى بدأ يتغير مع وصول الشرع، بينما ترى البيئة الشيعية المرتبطة بـ”حزب الله” في هذا التحول تهديدًا مباشرًا لها.

وتضيف أن الخطاب السني الغالب في البقاع يبقى خطابًا سياديًا يرفض أي تدخل سوري عسكري في لبنان، انطلاقًا من تجربة تاريخية مؤلمة مع النفوذ السوري. لكنها لا تنفي وجود ميل ضمني لدى جزء من الشارع السني، وخصوصًا لدى من دخلوا في احتكاكات سابقة مع “حزب الله”، إلى الترحيب بأي تطور يضعف الحزب أو يحد من سطوته، حتى لو لم يُعبَّر عن ذلك علنًا.
خلاصة الفاكهة: لا أحد يريد حربًا جديدة
ويأتي صوت الناشط السياسي عصام صالح، من بلدة الفاكهة ذات الغالبية السنية، ليقدّم خلاصة أكثر صراحة: لا أحد في المنطقة البقاعية يريد تدخل قوات أحمد الشرع في لبنان، ولا يوجد تهليل أو فرح أو تأييد فعلي لمثل هذه الخطوة. ويشدد على أن سنة لبنان لا يمكن أن يتموضعوا ضد أبناء بلدهم، وأن اللبنانيين جميعًا تعلموا من تجربة دخول الجيش السوري في عهد حافظ الأسد واستمرار الوصاية في عهد بشار الأسد.
بالنسبة إليه، فإن أي تدخل من هذا النوع، إن حصل، لن يكون مجرد حدث أمني، بل شرارة لمشكلة طائفية عابرة للمناطق والحدود، لا أحد يعرف كيف تبدأ… ولا كيف تنتهي.
نقاش التدخّل السوري مستمر
في بعلبك ـ الهرمل، لا يبدو الحديث عن تدخل سوري في لبنان مجرد نقاش حول تحرك عسكري محتمل، بل هو اختبار حقيقي لمدى هشاشة التوازنات المحلية. الشيعة منقسمون بين خوف تعبوي وخشية وجودية وقراءة أكثر عقلانية، فيما السنة يبدون أكثر حذرًا من أي عودة للنفوذ السوري، حتى لو رأى بعضهم في إضعاف “حزب الله” مصلحة سياسية. وبين السرديات المتضاربة والوقائع الميدانية المحدودة، يبقى الثابت الوحيد أن المجتمع الحدودي، بكل تعقيداته، لا يحتمل حربًا جديدة… ولا مغامرة جديدة تُشعل ما تبقى من توازناته.

