مع حلول منتصف ليل الخميس-الجمعة، ودخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لم ينتظر الجنوبيون والنازحون طويلاً، فما إن لاح فجر الجمعة حتى كانت قوافل العائدين تشق طريقها نحو “البيوت الجريحة” في الضاحية الجنوبية وقرى الجنوب اللبناني.
هي لحظة فاصلة، لم تمتثل فيها العاطفة المجبولة بالانتماء إلى دعوات التريث الرسمية أو الأمنية، بل اندفعت في “هبّة” شعبية تؤكد أن مغادرة الأرض لم تكن يوماً خياراً، بل كانت قسراً فرضته آلة الحرب والسياسات التي زجت بلبنان في أتون صراعات إقليمية دفع اللبناني أثمانها من دمه وأمنه وأرزاقه.
الضاحية الجنوبية: العودة إلى “ذاكرة الركام”
في الضاحية الجنوبية لبيروت، المشهد يمتزج بالرهبة والحذر. فرغم أن حركة العودة لا تزال “خجولة” في بعض المربعات بسبب الإجراءات الأمنية وإغلاق عدد من المداخل الرئيسية، إلا أن مناطق مثل “مار مخايل” و”صفير” بدأت تستعيد نبض أقدام أصحابها.

الصورة الأكثر إيلاماً وتحدياً كانت في منطقة الرويس، حيث وثّقت العدسات حجم الدمار الهائل الذي لحق بالمنطقة التي باتت اليوم أكواماً من الركام.
عودة الأهالي إلى محيط هذا الركام ليست مجرد تفقد لمنازل، بل هي محاولة لاستعادة “الهوية المكانية” التي حاول العدوان طمسها بغاراته العنيفة، وسط ترقب لما سيسمح به الجيش اللبناني في الساعات المقبلة من فتح للمسالك المغلقة أمام المواطنين والصحافيين.
شريان الجنوب: معركة “وصل الأوصال” عند القاسمية
بالانتقال نحو الجنوب، كانت المعركة من نوع آخر، معركة مع الجغرافيا التي قطعت أوصالها إسرائيل بتدمير الجسور الحيوية. لقد تعمد الاحتلال عزل أقضية صور وبنت جبيل والنبطية عن بعضها وعن بقية لبنان عبر استهداف الجسور، لاسيما «جسر القاسمية البحري» الذي يُعد “رئة الجنوب” النابضة.
لكن، وبإصرار لافت، تحول “الجسر المدمر” إلى ساحة عمل دؤوبة. لم يقف العائدون مكتوفي الأيدي، بل تظافرت جهودهم مع وحدات الجيش اللبناني والبلديات والجمعيات الأهلية.
مشهد الجرافات وهي تزيح الردم عند القاسمية لإعادة فتح معبر، ولو ترابياً، كان أبلغ رد على سياسة “العزل”. زحمة السير الخانقة التي شهدتها المنطقة منذ الصباح الباكر والعبور الجماعي نحو القرى الحدودية، رسمت لوحة من الإصرار الشعبي الذي لا يلين، حيث تمركزت الوحدات العسكرية لتنظيم هذه “الملحمة” اللوجستية وتأمين سلامة العابرين فوق شريان الحياة المرمم.

صيدا والنبطية: بوابات العبور إلى الجذور
صيدا، بوابة الجنوب التاريخية، كانت الشاهد الأول على حجم التوق للعودة. عند حاجز “الأولي”، غص الأوتوستراد بالسيارات المحملة بما تيسر من متاع، فيما شهدت مراكز الإيواء في المدينة ومحيطها استنفاراً من الأهالي الذين حزموا حقائبهم قبل بزوغ الفجر. لم تكن الحقائب محملة بالثياب فحسب، بل بالآمال في إيجاد بقايا جدران تؤويهم.

أما في النبطية، فكانت بلدة “كفررمان” نموذجاً حياً لحجم المأساة، أحياء كاملة سويت بالأرض، ودمار هائل خلفته الغارات الأخيرة. ومع ذلك، شوهد الأهالي وهم يتجولون بين الأنقاض، يبحثون عن مقتنياتهم أو ما تبقى من ذكريات، في مشهد يؤكد أن التمسك بالأرض والأرزاق هو الدافع الأقوى الذي يتجاوز الخوف من نقض الهدنة أو المخاطر الأمنية المحدقة.
قراءة في أبعاد العودة: السياسة والوطن
إن هذه العودة التلقائية والسريعة تحمل في طياتها رسائل سياسية ووطنية عميقة:
- رفض التهجير الدائم: أثبت اللبنانيون، ولاسيما الجنوبيون، أن “النزوح” كان حالة طارئة وقسرية، وأن أي محاولة لتغيير ديموغرافي أو جغرافي ستصطدم بجدار التمسك بالأرض.
- كلفة الصراعات الإقليمية: يعود اللبناني إلى بيته المهدم وهو يدرك حجم الأثمان الباهظة التي دفعها نتيجة السياسات المتهورة وزج البلاد في صراعات تتجاوز قدرة الدولة والناس على الاحتمال. هذه العودة هي صرخة صامتة ضد “آتون الحروب” التي لا تنتهي.
- الثقة بالجيش: برز دور الجيش اللبناني كضامن وحيد للتنظيم والأمن، وكشريك ميداني في إعادة فتح الطرقات، مما يعزز المطالبة الوطنية بضرورة حصر المرجعية الأمنية والسيادية بمؤسسات الدولة الشرعية.
إرادة الحياة أقوى من الرماد
في الختام، إن مشهد الزحام عند جسر القاسمية، والدموع فوق الركام، والبحث عن البيوت في كفررمان، كلها مشاهد تؤكد حقيقة واحدة: “إرادة الحياة في لبنان أقوى من آلة الموت”. لقد عاد الجنوبيون لأن الأرض هي العرض والرزق، ولأنهم يرفضون أن يكونوا وقوداً دائماً لمشاريع لا تشبه أحلامهم بـ «دولة المواطنة السيدة الحرة».
إنها “عودة المنتصر بالبقاء”، رغم مرارة الفقد وحجم الدمار، ورغم المخاوف من غدر الاحتلال بالهدنة، يبقى الجنوبي هو الحارس الأزلي لحدود مياهه وأرضه، بانتظار أن تكتمل هذه العودة بقيام دولة قوية تحميه من مغامرات الخارج وغدر العدو على حد سواء.
دروس الكارثة ومسؤولية القرار
وسط هذا المشهد المثقل بالجراح، يبقى الأمل معقوداً على أن تشكل هذه اللحظة وقفة مراجعة عميقة وقاسية، على أمل أن يعي «حزب الله» أن حروبه وتفرده بقرار السلم والحرب لن يؤديا إلا إلى المزيد من القتل والدمار والنزوح الممنهج، وأن يتعلم الجميع من مرارة هذه التجربة أن ما حصل كان كارثة إنسانية بكل المعايير، تجاوزت قدرة الوطن على الاحتمال وأعادت لبنان سنوات إلى الوراء.
إن حماية الناس تقتضي الحفاظ على أمنهم القومي، لا زجهم في صراعات تجعل من قراهم وساحاتهم وقوداً لأجندات لا تشبه تطلعاتهم في الاستقرار والعيش الكريم.

