السيد محمد حسن الأمين..خمس سنوات على الغياب: ذاكرة وطنية حيّة في صيدا ولبنان

تمرّ خمس سنوات على رحيل العلامة المفكر الإسلامي السيد محمد حسن الأمين، لكن حضوره لا يزال نابضاً في الذاكرة اللبنانية، لا سيما في مدينة صيدا التي شكّلت إحدى ساحات نشاطه الفكري والوطني، فهو لم يكن قاضيها الشرعي الجعفري فحسب في زمن الاحتلال وما قبله وما بعده، بل مثّل حالة فكرية متقدمة جمعت بين الالتزام الديني والانفتاح المدني، وبين النضال السياسي والحوار الثقافي. وفي شهادات متقاطعة لعدد من الشخصيات الصيداوية التي عايشته أو واكبته، تتضح ملامح هذه القامة الاستثنائية التي طبعت مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان.

اميل اسكندر: كان رجل دين خارج القوالب

يرى أميل إسكندر، رئيس “حلقة التنمية والحوار” ورفيق درب المطران الراحل سليم غزال الذي كان علما ثقافيا كبيرا وورمزا من رموز التعايش في صيدا والجنوب، أن السيد محمد حسن الأمين كان نموذجاً نادراً لرجل الدين الذي تجاوز الأطر التقليدية. فقد جمع، بحسب تعبيره، بين العمق الديني والانخراط في القضايا الوطنية والفكرية، في زمن كان فيه لبنان يعيش واحدة من أكثر مراحله تعقيداً.

ويستعيد إسكندر محطات من علاقته بالأمين، لا سيما خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي عام 1982 وما تلاها، حيث تعرّف إلى شخصيته عن قرب. أكثر ما لفته فيه، كما يقول، هو جرأته الفكرية في طرح الدولة المدنية، حتى من على منابر دينية وأمام جمهور متنوع من المثقفين. ويشير إلى إحدى محاضراته في “دار العناية” الذي اسسها المطران غزال وجمعته علاقة صداقة وطيدة بالسيد الامين، حيث تبنّى السيّد بوضوح فكرة الدولة العلمانية كمدخل لحل أزمات لبنان البنيوية.

ضمن “حلقة التنمية والحوار”، كان الأمين حاضراً دائماً، إلى جانب شخصيات فكرية مثل السيد هاني فحص، مشاركاً في نقاشات طالت مختلف القضايا الدينية والسياسية. ويؤكد إسكندر أن الأمين كان سبّاقاً في مقاربة العناوين الحساسة بين الإسلام والمسيحية، معتمداً الحوار وسيلة للتلاقي، في زمن كان يميل إلى الانقسام والعنف.

ماجد حمتو: مواقف لا تُنسى في زمن الاحتلال

من زاوية أخرى، يسلّط ماجد حمتو، رئيس تجمع المؤسسات الأهلية في صيدا، الضوء على الوجه النضالي للأمين، خصوصاً خلال الاحتلال الإسرائيلي. ويستعيد حمتو تجربة شخصية، حيث كان الأمين يستضيف مناضلين في منزله لحمايتهم من الاعتقال، في خطوة تنطوي على مخاطرة كبيرة في تلك المرحلة.

يؤكد حمتو أن هذه المواقف لم تكن استثناءً، بل تعبيراً عن التزام واضح وصادق بالقضية الفلسطينية ورفض الاحتلال. لكنه يفضّل التوقف عند جانب آخر من شخصية الأمين، يتمثل في إنسانيته وثقافته الواسعة، التي جعلت اللقاء به تجربة مريحة ومثرية.

فالأمين، كما يصفه، كان قريباً من الناس، يفهم قضاياهم اليومية ويعبّر عن مشاعرهم، دون أن يتخلى عن عمقه الفكري. وفي جلسات النقاش، كان يحترم جميع الآراء، ويسعى إلى تطويرها، بعيداً عن الأحكام المسبقة. هذا الانفتاح، بحسب حمتو، جعله قادراً على التواصل مع مختلف الفئات، وأن يكون حاضراً في عقول الناس وقلوبهم في آن واحد.

وليد حشيشو: كان منحازا الى الناس

أما التربوي وليد حشيشو، فيستحضر ذكرى الأمين من زاوية إنسانية وفكرية، مشيراً إلى الفراغ الكبير الذي تركه بعد رحيله. ويصفه بأنه رجل دين وعلم وأدب، جمع بين صفات المفكر والأديب والشاعر، وكان ينظر إلى القضايا الوطنية من موقع المواطن المسؤول.

ويعيد حشيشو التذكير بمواقف الأمين خلال اجتياح 1982، حيث كان داعماً للمقاومة الوطنية، ومتعاوناً مع فعاليات صيدا لمواجهة الاحتلال. لكنه يلفت أيضاً إلى التزامه الدائم بالحوار، وسعيه إلى بناء مساحات مشتركة بين اللبنانيين، رغم الانقسامات الحادة.

بالنسبة لحشيشو، لم يكن الأمين مجرد شخصية عامة، بل حالة فكرية وإنسانية تركت أثراً عميقاً في كل من عرفه أو استمع إليه. وفي ذكراه، يتجدد الشعور بالحاجة إلى نماذج مشابهة، قادرة على الجمع بين المعرفة والانفتاح والالتزام الوطني.

رشيد الزعتري: طرح الدولة العلمانية جريء

من جهته، يقدّم المهندس رشيد الزعتري قراءة مختلفة، تنطلق من تقاطع التجربة السياسية مع الفكر الذي مثّله الأمين. ورغم أن علاقتهما لم تكن وثيقة، إلا أن المساحة المشتركة بينهما، خصوصاً في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، كانت كافية لخلق تقدير متبادل.

يؤكد الزعتري أن الأمين كان يعتبر فلسطين قضيته اليومية، يتابع تطوراتها ويسعى إلى دعمها، سواء على المستوى الفكري أو الوطني. كما يشير إلى دوره خلال الاحتلال، حيث كان حاضراً في النشاطات المناهضة له، ومتعاوناً مع فعاليات صيدا.

لكن ما ترك الأثر الأكبر لدى الزعتري، كان موقف الأمين الواضح والجريء من طبيعة النظام في لبنان. ففي أحد اللقاءات القليلة التي جمعتهما، فوجئ بطرحه الصريح بأن لا حل في لبنان إلا بإقامة دولة ديمقراطية علمانية، تفصل بين الدين كمسألة خاصة، والدولة كمؤسسة عامة.

هذا الطرح، برأي الزعتري، كان متقدماً على زمنه، خصوصاً في مجتمع يغلب عليه الانتماء الطائفي. ومع ذلك، كان الأمين متمسكاً به، باعتباره السبيل الوحيد لبناء وطن يجمع جميع مواطنيه على أساس المساواة.

إرث مستمر في زمن الانقسام

تتقاطع هذه الشهادات في ذكرى غياب السيد محمد حسن الامين لشخصيات فاعلة ومثقفة في مدينة صيدا، حيث اقام السيد وعاش عقودا، انه مثّل نموذجاً نادراً لرجل الدين المثقف والمناضل، الذي جمع بين الالتزام بالقضايا الكبرى والانفتاح على الآخر.

في زمن العنف والانقسامات، كان صوتاً للحوار، وفي زمن الطائفية، كان داعية للدولة المدنية، وفي زمن الاحتلال، كان منحازاً بوضوح إلى المقاومة والقضية الفلسطينية. هذه التعددية في الأدوار، لم تكن تناقضاً، بل تعبيراً عن رؤية متكاملة للإنسان والوطن.

بعد خمس سنوات على رحيله، يبدو الفراغ الذي تركه أكثر وضوحاً، خصوصاً في ظل الأزمات التي يعيشها لبنان اليوم. لكن في المقابل، يبقى إرثه الفكري والإنساني حاضراً، ليس فقط في الذاكرة، بل في الحاجة المتجددة إلى استعادة قيم الحوار والانفتاح التي نادى بها.

السابق
ذريعة جديدة للعدوان.. إسرائيل تزعم استخدام حزب الله للمرافق الطبية وتتوعد باستهدافها
التالي
وزير الخارجية الفرنسي: لبنان ليس كبش فداء لأحد وعلى حزب الله تسليم أسلحته إلى الدولة