الدولة.. بين حصر السلاح والإصلاح المستحيل

اجتماع مجلس الوزراء

قيل لي مرة خلال حديث عابر:

“إذا أردتَ إرضاء الجميع، فتأكّد أن الجميع سيكرهك في النهاية.”

قد تبدو هذه العبارة بسيطة في ظاهرها، لكنها تختصر جانبًا كبيرًا من الواقع السياسي اللبناني. ففي بلدٍ تحوّل فيه المواطنون إلى محلّلين سياسيين يوميين، وتحولت فيه العائلات إلى غرف نقاش سياسية دائمة، يظهر بوضوح مدى هشاشة الحياة السياسية اللبنانية، حتى مع تغيّر الوجوه داخل الطبقة الحاكمة التي اعتاد اللبنانيون رؤيتها.

سلطة جديدة… وأزمة قديمة

لن نتوسّع في توصيف الأزمة اللبنانية التي أكلت الأخضر واليابس، ولا في سيل الشبهات والأسئلة التي ترافق كل حدث أو صورة على مواقع التواصل الاجتماعي. إلا أنّ النقمة الشعبية، داخليًا وخارجيًا، تركزت بشكل أساسي على شخصيتين بارزتين:

رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، ورئيس الحكومة القاضي نواف سلام.

وصل الرجلان إلى الحكم محمّلين بآمال اللبنانيين، وبدعم عربي وغربي نسبي، وظهر كلاهما كأنهما يحملان مشروع إنقاذ. لكن الواقع سرعان ما كشف حقيقة مُرّة: الحكومات اللبنانية المتعاقبة لم تعالج جذور الأزمة بعمق وجدية، بل اكتفت بإدارة الأزمات بدلًا من حلّها، وكأن اللبنانيين ما زالوا ينتظرون حلولًا سحرية تأتي بضغطة زر.

حصر السلاح: الوعد المؤجّل دائمًا

تبقى مسألة حصر السلاح المعضلة الأساسية في لبنان. وعلى الرغم من وضوح المشكلة، جرى التعامل معها وكأنها إبرة “مورفين” سياسية تُستخدم لتهدئة الرأي العام، لا لمعالجة المرض.

تكرّرت وعود الحكومة بأن السلاح سيوضع تحت سلطة الدولة، وأن الحزب المعني يتعاون مع هذا المسار، لكن الواقع الميداني كشف العكس، مع إطلاق صواريخ من الجنوب أعادت طرح السؤال القديم: من يملك قرار الحرب والسلم؟

المشكلة لا تكمن فقط في السلاح، بل في الخطاب السياسي الذي يربط الصراعات اللبنانية بحروب إقليمية لا علاقة مباشرة للبنان بها، ما يجعل البلاد تدفع ثمن مواجهات لم تخترها أصلًا.

الاقتصاد والإصلاح الغامض

أما الملف الاقتصادي، فليس أقل إرباكًا.

مشاريع الإصلاح المصرفي والضرائب تُطرح تحت شعار الإنقاذ، لكن من دون شرح واضح لآليات التنفيذ، أو تقديم أرقام شفافة للرأي العام.

كيف يمكن لحكومة من الاختصاصيين تمرير مشاريع مصيرية من دون دراسات معلنة أو خطط تنفيذية مفهومة؟ ولماذا يشعر المواطن أن الدولة تحمّله كلفة الانهيار عبر الضرائب وارتفاع الأسعار، من دون تقديم خدمات أو حماية اجتماعية حقيقية؟

إنّ زيادة ساعات التغذية الكهربائية، مهما كانت ضرورية، لن تكفي لاستعادة الثقة الشعبية، ما لم تُرافقها رؤية اقتصادية واضحة ومسؤولة.

رئاسة قوية… أم حضور رمزي؟

هنا تبرز شخصية رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون.

اللبنانيون يحترمون خلفيته العسكرية ويقدّرون مسيرته، لكن الرئاسة لا تُقاس بالزيارات الرسمية أو الحضور الدبلوماسي، بل بجرأة اتخاذ القرار.

فالجرأة السياسية لا تظهر في المظاهر أو البروتوكول، بل في استخدام الصلاحيات الدستورية بحزم، وفي التعامل الواقعي مع الملفات الحساسة، سواء على مستوى العلاقات الخارجية أو إدارة التوازنات الداخلية التي فرضتها الحرب الأخيرة، خصوصًا في المناطق الجنوبية وبين سكانها.

الإصلاح الغائب

يبقى السؤال الأعمق: لماذا لا يُفتح نقاش جدي حول تحديث الدستور اللبناني؟

لا يزال الدستور يحمل موادّ تعود إلى مرحلة الانتداب الفرنسي، فيما بقيت بنود أساسية، كإلغاء الطائفية السياسية وآليات تطبيقها، مجمّدة من دون أي محاولة فعلية لتنفيذها.

إذا كان الإصلاح هدفًا معلنًا، فلماذا لم تبدأ المعالجة من أساس النظام نفسه؟

سياسة الإرضاء… بدل سياسة القرار

في النهاية، محاولة إرضاء الجميع تتحوّل إلى عبء على الدولة بدلًا من أن تكون استراتيجية حكم. فهي تؤجل المواجهة مع الحقائق، وتمنع النقاش الجدي حول قدرة النظام الحالي على إدارة مجتمع شديد التعقيد.

الأمن والاستقرار لا يتحققان بالخطابات ولا بالتوازنات المؤقتة، بل بإرادة سياسية واضحة تتحمّل مسؤولية القرار.

أما سياسة الإرضاء، فهي في جوهرها مضيعة للوقت… حين تغيب الإرادة عن تنفيذ الوعود، حتى لو صيغت بأجمل العبارات.

السابق
بلال صالح ابن «بلال عدشيت».. رحيل نجل «قاهر الميركافا» في معركة جنوب لبنان 
التالي
أسرار الصحف الصادرة صباح اليوم الجمعة 3 نيسان 2026