تعبنا من النجاة…

الشيخ عباس حايك

كُتب علينا أن نولد في أرضٍ تتقن الحروب أكثر مما تتقن الحياة، فننشأ ونحن نحفظ أسماء الخيبات كما يحفظ غيرنا أسماء الألعاب، نعدّ الانفجارات كما يُعدّ الأطفال خطواتهم الأولى، ونتعلّم مبكرًا أن الوطن ليس دائمًا مكانًا… بل احتمال نجاة….
تلاحقنا النزاعات كظلٍّ لا يرحل،
ونكبر ونحن نُتقن فنّ التماسك، لا لأننا أقوياء، بل لأن الانهيار ترفٌ لا نملكه…..
نبتسم… نعم… لكننا نبتسم كما يفعل من يتدرّب على النجاة،
لا كما يفعل من يعيش….
نُخفي ارتجاف الروح خلف ملامحٍ تعلّمت الصمود، ونُقنع أنفسنا أن الأمور “ستكون بخير”، ليس لأننا نؤمن بذلك، بل لأن البديل مرعب إلى حدٍّ لا يُحتمل…..
لا نعرف تمامًا كيف تبدو الحياة الطبيعية، لكننا نتخيّلها… كأنها حلم بسيط وبعيد… بيت هادئ.. صباح بلا خوف، وقلوب لا تنتظر خبرًا مؤلمًا كل يوم….
تعبنا من محاولات التوازن فوق أرضٍ تهتز،
ومن ادّعاء القوة ونحن ننهار بصمت، حتى أصبحت سلامتنا النفسية معركةً أخرى، نخوضها وحدنا… بلا هدنة، بلا شهود، بلا اعتراف….
نصارع التوتر لنكون “عاديين”…
يا لها من معركةٍ مُهينة!
أن نضحك بلا سبب، أن ننام بلا قلق، أن نعيش كما يعيش بقية البشر…
أصبحت هذه أحلامًا مؤجّلة، كأنها رفاهية لا تليق بنا…..
ومع ذلك… لا نزال نحاول. نحاول أن نحبّ، رغم كل ما يُفسد الحب،
ونحاول أن نثق، رغم كل ما كسر الثقة، ونحاول أن نعيش… لا أكثر.
فهل يأتي يومٌ نصحو فيه دون خوف؟ دون أن نُفتّش في وجوه بعضنا عن نذيرٍ جديد؟ دون أن نحمل في داخلنا هذا القلق القديم كإرثٍ لا يُورَّث؟ أم أن ما نطلبه بسيطٌ إلى حدّ الاستحالة؟
ربما…
لكننا، رغم كل شيء، لن نتوقّف عن المحاولة…..
لأننا ببساطة… لا نريد أن نكون أبطالًا، نريد فقط أن نكون بشرًا….

السابق
جعجع من معراب: «لبنان ليس إيران»… وتحذير من الأسوأ إذا استمر الانهيار
التالي
ترامب يحرج محمد بن سلمان..ويفتح باب الأسئلة حول علاقة واشنطن بالرياض