لطالما لعب الخطاب السياسي ل”حزب الله” دورا كبيرا في تشكيل وعي الجمهور تجاه الأعداء والصراعات الإقليمية التي خاضها في لبنان وسوريا واليمن والعراق. في هذا السياق، تصدّر خطابان متناقضان المشهد حول إسرائيل، من جهة، وصفها بأنها أ”وهن من بيت العنكبوت”، ومن جهة أخرى، تصويرها كخطر وجودي ووشيك عبر فكرة “إسرائيل الكبرى”. هذه التناقضات ليست مجرد تفاصيل في مجرى الاحداث، بل أدوات سياسية تُستخدم لتوجيه الانطباعات والمواقف، وخلق المخاوف المصطنعة.
في خضم الصراعات السياسية والإعلامية، لا تبدو صورة العدو الاسرائيلي ثابتة بقدر ما هي متغيرة وفقا للخطاب المستخدم وبحسب السياق السياسي الموجود. فمرة يُقدّم هذا العدو على أنه ضعيف , ومتهالك، كما في مقولة “أوهن من بيت العنكبوت”، بهدف رفع المعنويات وبث الثقة في النفوس، بحيث بات احتلال منطقة الجليل امرا مفروغا منه وان احتلاله بمثابه نزهة، ومرة أخرى يُصوّر على أنه خطر وجودي مخيف من خلال الاشارة الى مشاريع توسعية كـ”إسرائيل الكبرى”، بما يزرع الخوف ويبرر سياسات معينة. هذا التناقض لا يعكس بالضرورة تغيّرا جذريا في الواقع، بقدر ما يعكس استخداما انتقائيا للصورة يخدم أهدافا سياسية محددة.
في الآونة الأخيرة، لوحظ لجوء امين عام “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم الى الإفراط في استخدام مقولة “إسرائيل الكبرى” للتهويل على الداخل اللبناني، خاصة في النقاشات المتعلقة بحصر السلاح وقيام دولة قوية وفاعلة تتحمل جميع وظائفها السيادية وفق الدستور وآليات الحكم. ففي مرحلة سابقة، كان الخطاب السياسي الممانع يبالغ في الاستخفاف بإسرائيل ووصفها بأنها “أوهن من بيت العنكبوت”، بهدف إقناع الجمهور بأهمية السلاح وضرورة التحصّن ضد كيان يُصوّر على أنه هش وغير قابل للحياة، فللشيخ نعيم قاسم نفسه مقولات من قبيل ” أن نتنياهو مرعوب”، و”أن اسرائيل خلصنا منها من زمان”.
ومع بروز نتائج حرب الإسناد الكارثية، تحول الخطاب نفسه إلى التهويل،مستخدم فكرة “إسرائيل الكبرى” لإثارة الخوف وتبرير الاحتفاظ بالسلاح، رغم أن الواقع يُظهر حدود القوة الإسرائيلية غير المحدودة والمدعومة دوليا، اضافة الى تعقيدات الموقف على مستوى الداخل والخارج.
ولأجل التفريق بين الواقع والدعاية السياسية، التي تهدف في الغالب إلى ضبط ما يمكن التفكير فيه لدى جمهور الممانعة الذي يهضم ويتقبل جميع الأفكار حتى لو بدت متناقضة، يظهر أن الجمهور الذي كان مقتنعا بمقولة “أوهن من بيت العنكبوت” أصبح في الوقت ذاته متقبلا لمقولة “إسرائيل الكبرى” وخائفا من مشروعها التوسعي. هذا الخطاب يمارس سلطة على تشكيل الفهم العام لكل ما يجري، خاصة في ظل غياب خطاب دولتي قوي ورصين يمكنه نقض هذه المقولات ويقوم بتعزيز دور الدولة في المخيلة الجمعية للشعب اللبناني، وإعادة تصويب النقاش نحو الحقائق الواقعية بدلا من الانجرار وراء التهويل أو الاستخفاف المتعمد بقدرات اسرائيل.
ومن نافل القول إن هذا الخطاب يستخدم الخوف كأداة سياسية، سواء عبر تضخيم الخطر الإسرائيلي أو التقليل منه، بهدف التاثير في الجماهير وتوجيهها حسب المصالح. صحيح أن إسرائيل تواجه مجموعة من التحديات ولديها نقاط ضعف، مثل فقدانها للعمق الاستراتيجي نتيجة لضيق مساحتها الجغرافية، إضافة إلى الانقسام الداخلي، إلا أن ذلك لا يبرر التسليم بمقولة أن إسرائيل ضعيفة لدرجة الوهن. فهي دولة قوية عسكريا وتمتلك ترسانة كبيرة، مما يجعلها لاعبا مؤثرا في الشرق الأوسط. وبالمقابل، صحيح أن إسرائيل تشكل خطرا على لبنان، إلا أن هذا لا يبرّر التسليم المطلق لمقولة “إسرائيل الكبرى”، التي رغم استخدامها في بعض الأدبيات الدينية والسياسية، لا تقوم على مشروع واقعي قابل للتنفيذ. وهذا ما تؤكده الوقائع التاريخية، مثل انسحاب إسرائيل من سينا وطابا وغزة ولبنان، وقيام سلطة فلسطينية على أراضي فلسطين التاريخية.
بات من الواضح أن هذا الخطاب الموجّه للجمهور نفسه، الذي يعج بالتناقضات ويقلل تارة ويهول تارة اخرى، ليس إلا أداة تخدم مصلحة القائل. فالتقليل من قدرات الاسرائيليين الذي يصل حد الاستخفاف قد يؤدي إلى صدمة عند مواجهة الواقع، بينما التهويل الزائد يخلق خوفا غير مبرر ودائما، ويؤدي إلى توتر العلاقة بين الشعب والدولة، حيث ينظر إليها على أنها غير قادرة على حماية المواطنين. لذلك، يصبح العمل على خطاب وطني رشيد ضرورة أساسية، يقوم على تعزيز التفكير النقدي، وتحليل المعلومات دون انحياز، وزيادة مساحة وعي الجمهور، بما يمنع الانجرار وراء الشعارات المبالغ فيها ويشجع المواطنين على طرح الأسئلة ومناقشة الحقائق بموضوعية، لتجنب الوصول الى مقولة اخرى تذهب باتجاه تحميل معارضي الحرب المسؤولية عن جرائم اسرائيل بحق لبنان وشعبهن فقط لرفضهم توريط لبنان بحرب لا علاقة له بها. فوضع اي انسان في بوتقة الدعاية وغسيل الدماغ، يؤدي الى استهداف تفكره وهويته الانسانية، فيتحول من انسان عادي الى آلة للكراهية وبث الاحقاد.
يتضح من التحليل أن الخطاب الإعلامي والسياسي ليس دائما انعكاسا دقيقا للواقع، بل غالبا ما يكون أداة لتشكيل وعي الجمهور والتحكم بردود أفعاله. سواء في تصوير إسرائيل كقوة ضعيفة أو كخطر ضخم، يظل الواقع أكثر تعقيدا من عادلة الانجرار وراء التخويف أو التضليل الذي يخدم أجندات محددة، ففي هذا الوقت بالذات لا بد من تعزيز دور الدولة في حماية الشعب وإرساء خطاب وطني رشيد يعتمد على الحقائق بدلا من الانتصار عبر الرغبات.

