في تطوّر دبلوماسي غير مسبوق، قررت وزارة الخارجية اللبنانية سحب اعتماد السفير الإيراني في بيروت، ومنحه مهلة حتى يوم الأحد لمغادرة البلاد، في خطوة تتجاوز البعد الإجرائي إلى مستوى المواجهة السياسية المباشرة مع طهران. القرار، وفق مصادر رسمية، لا يعني قطع العلاقات الدبلوماسية، لكنه يحمل رسالة واضحة بأن الدولة اللبنانية بدأت تضع خطوطًا حمراء أمام ما تعتبره “تجاوزات إيرانية” تمسّ السيادة.
قرار سيادي في توقيت حساس
يأتي هذا القرار بعد أيام من تصريح رئيس الحكومة نواف سلام حول وجود عناصر مرتبطة بـ”فيلق القدس” داخل لبنان بجوازات سفر مزوّرة، تقوم بأنشطة أمنية وعسكرية لصالح حزب الله. هذه المعطيات، إن صحّت، تعني عمليًا أن الحكومة اللبنانية انتقلت من مرحلة “الشكوى السياسية” إلى “الفعل الدبلوماسي”، في ظل قرار حكومي سابق اعتبر سلاح الحزب غير شرعي.
التوقيت بدوره ليس تفصيلاً، إذ يتقاطع مع ضغوط دولية متزايدة على لبنان لضبط حدوده وسيادته، ومع تصاعد النقاش الداخلي حول احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم.
اختبار داخلي: الدولة في مواجهة “الثنائي”
التطور الأخطر تمثّل في ما نقلته مصادر إعلامية عن طلب كل من حركة أمل وحزب الله من السفير الإيراني رفض قرار المغادرة، بل والتواصل معهما لاحتواء الموقف. هذا السلوك، إن تأكد، يضع الحكومة أمام اختبار غير مسبوق: هل تملك القدرة على فرض قرار سيادي في مواجهة قوى داخلية حليفة لطهران؟
كما أن مطالبة “الثنائي” بتحديد ما إذا كان القرار صادراً بضغط من سمير جعجع، تكشف محاولة لتسييس القرار داخليًا وتحويله من مسألة سيادية إلى مادة سجال بين القوى اللبنانية.
رسائل إلى طهران… وإلى الداخل
القرار اللبناني يحمل رسالتين متوازيتين. الأولى إلى إيران، مفادها أن نفوذها في لبنان لم يعد خارج المساءلة، وأن أي نشاط يتجاوز القنوات الرسمية سيُواجَه بإجراءات ملموسة. أما الرسالة الثانية فهي إلى الداخل اللبناني، حيث تسعى الحكومة إلى تثبيت موقعها كمرجعية وحيدة للقرار السيادي، في مواجهة واقع “الدولة الموازية”.
يبقى السؤال الأهم، هل نحن أمام بداية مسار تصعيدي قد يصل إلى حد القطيعة، أم أن الخطوة ستُستخدم كورقة ضغط لتحسين شروط التفاوض مع طهران وحلفائها في الداخل؟ المؤكد أن لبنان دخل مرحلة جديدة، حيث لم يعد ممكناً الفصل بين الدبلوماسية والأمن، ولا بين القرار الحكومي وتوازنات القوة على الأرض.

