في لحظة بدت كأنها خروج مفاجئ عن مسار التصعيد، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب تصريحًا لافتًا قلب المشهد الإقليمي رأسًا على عقب، معلنًا أن بلاده أجرت “محادثات جيدة ومثمرة للغاية” مع إيران خلال اليومين الماضيين، بهدف التوصل إلى “حل كامل وشامل للأعمال العدائية في الشرق الأوسط”.
هذا التحوّل الدراماتيكي جاء بعد أيام فقط من تهديدات غير مسبوقة أطلقها ترامب بـ”محو” محطات الطاقة الإيرانية إذا لم تُعد طهران فتح مضيق هرمز خلال مهلة محددة. وبين التهديد بالتدمير الشامل والإشادة بمحادثات “مثمرة”، يتكشف مسار خفي أعاد رسم قواعد الاشتباك، عنوانه: وساطة تركية صامتة نجحت حيث تراجع الآخرون.
قناة أنقرة السرّية: من حافة الحرب إلى طاولة التفاوض
بحسب معلومات خاصة حصل عليها “جنوبية”، فإن هذا الاختراق لم يكن وليد اللحظة، بل نتاج مبادرة غير معلنة قادها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مستفيدًا من شبكة علاقاته المتشعبة مع كل من واشنطن وطهران. المبادرة، التي بدأت قبل أسابيع، تحولت إلى قناة تواصل فعلية في الأيام الأخيرة، ما أتاح فتح باب المحادثات المباشرة التي كشف عنها ترامب.
وتكتسب هذه الوساطة أهمية مضاعفة في ظل انسحاب كل من سلطنة عمان وقطر من لعب دور الوسيط، بعد التصعيد الإيراني الأخير وقصف القواعد العسكرية في الخليج، وما رافقه من سقوط صواريخ على مواقع حيوية، أثار غضبًا إقليميًا واسعًا وأفقد مسار الوساطات التقليدية زخمه.
هنا، تقدّمت أنقرة لملء الفراغ، لا كوسيط تقليدي، بل كلاعب سياسي يسعى لفرض نفسه على طاولة إعادة رسم التوازنات في المنطقة.
اغتيال لاريجاني: الشرارة التي سرّعت التفاوض
في قلب هذا المسار، يبرز اسم علي لاريجاني، الذي تشير المعطيات إلى أنه كان شريكًا أساسيًا في إطلاق هذه القناة قبل اغتياله قبل نحو أسبوع في ضربة نُسبت إلى سلاح الجو الإسرائيلي. اغتياله لم ينهِ المبادرة، بل سرّعها، إذ دفع طهران إلى رفع مستوى الانخراط في التفاوض، خشية انزلاق الأمور إلى مواجهة مفتوحة في ظل استهداف شخصيات وازنة.
بين التهدئة والتكتيك: ماذا يريد الطرفان؟
قراءة هذا التحول لا يمكن أن تكون سطحية. فواشنطن، التي صعّدت إلى أقصى الحدود، قد تكون استخدمت التهديد العسكري كرافعة لفرض شروط تفاوضية قاسية، قبل الانتقال إلى مرحلة “الاحتواء السياسي”. أما طهران، التي وجدت نفسها تحت ضغط عسكري وأمني متزايد، فبدت مستعدة لالتقاط نافذة التفاوض لتفادي الأسوأ، وإعادة ترتيب أوراقها داخليًا وإقليميًا.
في المقابل، تسعى تركيا إلى ترجمة هذا الدور إلى مكسب استراتيجي طويل الأمد، يعيد تثبيت موقعها كوسيط لا غنى عنه بين الشرق والغرب، خصوصًا في لحظة انكفاء أدوار إقليمية تقليدية.
ما بين تهديد “المحو” وإعلان “المحادثات المثمرة”، لا يبدو ما يجري مجرد تناقض في خطاب دونالد ترامب، بل انعكاس لتحوّل أعمق في إدارة الصراع. إنها لحظة اختبار حقيقية: إما أن تتحول الوساطة التركية إلى مدخل لتسوية أوسع، أو تبقى هدنة مؤقتة في صراع مفتوح على كل الاحتمالات.

