الأصل أن هيئة تنظيم للاتصالات هي هيئة أُنشِئَت على قاعدة ذهبية “مقدسة” هي انها “مستقلة” استقلالا تاما عن السلطة التنفيذية في ممارستها لصلاحياتها التنظيمية.
فلا يجوز مطلقا للحكومة أن تصدر لها أوامر فردية مباشرة (سيما إذا جاء ذلك بطلب من الوزير الذي من المفترض أن لديه إمكانية الحوار المسبق والمداولة القانونية مع الهيئة قبل الإرتقاء الى مستوى تنفيذي وإجرائي اعلى على سبيل الإستقواء) في الملفات التي يفترض أن تفصل فيها بصورة حيادية ومهنية.
لكن للحكومة طبعا صلاحية وحق وضع السياسات العامة، وتعديل هذه السياسات، وأن تعدّل الإطار القانوني الناظم لعمل هيئة تنظيم الاتصالات عبر القنوات الدستورية الملزمة والشرعية الإجراء (قانون، مراسيم، سياسات عامة).
١. إن مبدأ فصل السلطات يعني أن الوزير والحكومة (السلطة التنفيذية) لا تحلّ محلّ الهيئة في ممارسة اختصاصاتها القانونية، ولا تملي عليها نتائج قرارات او اجتهادات فردية، حتى في حالات القوة القاهرة (مثل: منح ترخيص لمشغّل معيّن، أو فرض غرامة على شركة محددة، أو حسم نزاع بين مشغلين).
٢- إن المبدأ العالمي الذي يقول باستقلالية هيئات تنظيم الاتصالات يعني أمرين : أ- استقلال وظيفي (حرية اتخاذ القرار في الملفات المعروضة عليها دون تعليمات من الوزير أو من مجلس الوزراء)؛ ب- واستقلال إداري ومالي نسبي (موازنتها وآليات التوظيف ومدة ولاية أعضائها محمية نسبياً من الضغط السياسي)
٣. متى يحق للحكومة التدخل ؟
يجوز للحكومة، من حيث المبدأ، ان تتدخل في شؤون انتظام (وليس تنظيم) قطاع الاتصالات على النحو الآتي:
أ- وضع أو إقرار السياسة العامة للقطاع (مثلاً: التوجّه نحو الخصخصة أو لا، مستوى الانفتاح على الشراكة الاستراتيجية مع الاستثمار الأجنبي، التوجّه نحو إدخال تكنولوجيا أو خدمات جديدة).
ب- اقتراح أو إقرار تعديلات تشريعية أو مراسيم مستجدة تنظِّم الإطار العام لعمل الهيئة (تعديل قانون الاتصالات، إعادة تعريف صلاحيات الهيئة أو آليات تعيين أعضائها، إقرار مراسيم تطبيقية…).
ج- ممارسة رقابة سياسية – إدارية عامة: طلب تقارير دورية من الهيئة، مساءلتها أمام البرلمان (حيث النظام يسمح)، أو حتى حلّ الهيئة أو إعادة تنظيمها بقانون جديد ضمن الضوابط الدستورية.
هذا النوع من التدخل هو تدخل في “الإطار الناظم” وفي ”السياسة العامة”، وليس في القرار الفردي في ملف معيّن.
٤. أين يُعتبر تدخل الحكومة غير مشروع ؟
يُعدّ تدخلاً مخالفاً للمبدأ العالمي لإستقلالية (وفق معايير الاتحاد الدولي للاتصالات ) هيئة تنظيمالاتصالات كل من الأمور التالية (على سبيل المثال لاالحصر) : أ- أن يوجّه رئيس الحكومة أو الوزير المختص كتاباً أو تعليمات للهيئة تطلب منها إصدار قرار محدّد في نزاع معيّن، أو منح ترخيص لجهة محدّدة، أو غضّ النظر عن مخالفة مشغل معيّن؛ ب- أن تربط الحكومة استمرار أعضاء الهيئة في مناصبهم بـ “الانصياع” لتوجيهاتها في الملفات الفنية أو النزاعات بين المشغلين؛ ج- أن تستخدم الحكومة أو الوزارة أدواتها المالية أو الإدارية (الموازنة، التعيينات، التمديد…) كوسيلة ضغط للتأثير على القرارات التنظيمية أو الرقابية الجوهرية. هذه الأنواع من التدخل تمسّ روح وجوهر مبدأي الحياد والإستقلالية ومفهوم التنظيم السليم. ويعرّض حتماً هذا التدخل القرارات المطلوبة للطعن أمام القضاء الإداري (مجلس شورى الدولة مثلاً في الحالة اللبنانية) بسبب إساءة استعمال السلطة أو مخالفة مبدأ استقلال الهيئات التنظيمية.
٥. العلاقة بين الاستقلالية والمساءلة :
إن استقلالية الهيئة (وهو أمر مقدس في العمل التنظيمي) لا يعني أنها “دولة داخل الدولة” أو فوق المحاسبة. بل إننا كلنا نعلم ان الهيئة تخضع الهيئة لرقابة ولمراجعة القضاء الإداري على قراراتها. إذ أنه يمكن للمتضررين الطعن في قراراتها.
كما انها تخضع لرقابة البرلمان (استجواب الحكومة عن أدائها، مناقشة تقاريرها السنوية، تعديل قوانينها).
وتخضع ايضا لرقابة مالية (ديوان المحاسبة، رقابة على الموازنة والحسابات).
أي أن المعادلة الذهبية الصحيحة لعمل الهيئة هي :
استقلالية تامة وحيادية مطلقة في اتخاذ القرار الفني، مع خضوع لمساءلة ديموقراطية وقضائية، وليس خضوعاً لتعليمات تنفيذية مباشرة.
٦. إن المنهجية السليمة في التطبيق العملي هي، حسب دستور الاتحاد الدولي للاتصالات – فصل تنظيم الاتصالات، التالية :
“إن الهيئة المنظمة للاتصالات، بوصفها هيئة تنظيمية مستقلة، تتمتع بصلاحية حصرية في اتخاذ القرارات التنظيمية والفنية المتصلة بإدارة القطاع، ولا يجوز للسلطة التنفيذية أن توجّه إليها أوامراً أو تعليمات فردية في القضايا المعروضة عليها، لما في ذلك من مخالفة لمبدأ فصل السلطات ومبدأ استقلال الهيئات الناظمة. ويقتصر دور الحكومة على رسم السياسة العامة للقطاع، واقتراح أو إقرار الأطر التشريعية والتنظيمية العامة، وممارسة الرقابة السياسية والقضائية والمالية وفقاً للأصول الدستورية المرعية.”.
ما عدا ذلك، فهو أمر مخزي، ومعيب، وغير مجدي، ويذهب في الطريق الخطأ، ويقوِّض مصداقية هيئة تنظيم الاتصالات. ويقيِّد الهيئة بحبال السلطة التنفيذية، ويستتبعها لمصالح واعتبارات و”محسوبيات” تتناقض مع مهمتها الوجودية.

