“إلى متى يبقى الجيش مكتوف الأيدي؟ شعار نرفعه بدءًا من الليلة لأن الناس تعبت من الانتظار، والوطن ملّ اللا قرار، والدولة تتدحرج سريعاً نحو الانهيار. وقبل أن نفسّر سبب التزامنا الشعار المذكور، لا بد من شهادة للتاريخ. فنحن نؤمن عميقاً بالمؤسسة العسكرية بمناقبيتها، بشفافيتها، بوطنيتها، بتفانيها، وبالتضحيات الكبرى التي قدمتها ولا تزال. إنها أمور بديهية مبدئية ولا تناقش.
مهاجمة القيادة وليس المؤسسة
لكن في المقابل، ما تقوم به القيادة العسكرية منذ سنة إلى الآن غير مقنع. إنها تناور وتداور، تؤجل وتماطل، تتلطى وراء الجداول الزمنية لتبرر عدم تنفيذها خطط حصر السلاح. تدّعي أنها سيطرت عملياً على جنوب الليطاني ليتبيّن أن لا سيطرة عملانية فعلية ولا من يسيطرون. فـ”حزب الله” طوال السنة المنصرمة كان يتخبّى ويتخفى، وعندما قرّر أن يخوض معركة إسناد إيران ظهرت الحقيقة عارية سوداء. والمؤسف أنه بعد مرور سبعة أيام على معركة الإسناد الثانية، لا تزال القيادة العسكرية تخبئ رأسها في الرمال، وتخشى أن تقول الحقيقة كما هي، وأن تتصرف بمقتضاها. نحن أمام قيادة عسكرية لا تملك رؤية واقعية إلى ما يجري ولا تزال تعيش في رواسب الماضي، في أخطائه وخطاياه.
الحكومة حزمت أمرها وقالت كلمتها وأعلنت بقرار واضح وصريح الحظر الفوري لنشاطات “حزب الله” العسكرية والأمنية باعتبارها خارجة عن القانون، وألزمت الحزب بتسليم سلاحه، لكننا حتى الآن لم نرَ تدبيراً عسكرياً حقيقياً يحوّل القول فعلاً. فهل مهمة الجيش أن ينفذ، أم أن يتفرج على قرارات الحكومة ويبرّر للرأي العام عدم تنفيذها؟
أسئلة كثيرة ما زالت بلا إجابات
إن البلد اليوم على خط الزلازل. أراضيه تُقضم، سيادته تُنتهك، والبنى التحتية للدولة، بدءاً من المطار، مهدّدة بالصواريخ والقذائف الإسرائيلية. كل ذلك لأن قرار السلم والحرب ما زال ممسوكاً من “حزب الله”. في المقابل، تبدو القيادة العسكرية في عالم آخر وفي دنيا أخرى. فإلى متى ستبقى القيادة المذكورة غائبة عن الوعي؟ إلى متى ستبقى تحيا في الماضي وأفكاره؟ إلى متى ستبقى عاجزة عن التطلع إلى المستقبل؟ إلى متى ستبقى قيادة مستسلمة منشغلة بإدارة الأزمة، لا قيادة حقيقية تفرض الحل؟ وإلى متى ستظل تصادر قرار الناس والحكومة ورغبة معظم العسكريين، فتمنع الجيش من أداء دوره التاريخي المطلوب؟ والأهم، إلى متى ستظل متلكئة عن النزول إلى الضاحية الجنوبية للإمساك بالوضع الأمني والعسكري فيها ومنع تهديم ما تبقى منها؟
من هنا نعود إلى البداية ونعيد السؤال: إلى متى يبقى الجيش مكتوف الأيدي؟ إلى متى؟
عندما يكون الإعلام مرآة المجتمع
هذه حرفياً مقدمة نشرة الأخبار المسائية لمحطة الـ “ام تي في”، التي كانت بمثابة مرآة للمجتمع وعبّرت بشفافية مطلقة عمّا يختلج في صدور أغلبية اللبنانيين الذين أعطوا ثقتهم الكاملة للعهد والحكومة الجديدين، ورأوا في خطاب القسم والبيان الوزاري أكثر مما يطمحون إليه. إلا أنهم اكتشفوا أن ما حصل منذ ذلك الحين إلى اليوم لم يأتِ على قدر توقعاتهم وطموحاتهم، بدليل الحرب الإسرائيلية على “حزب الله” على كامل الأراضي اللبنانية، بعدما أطلق الحزب حرب إسناد إيران التي قد تقضي على ما تبقى بعد حرب إسناد غزة.
الدولة العميقة تعاقب الإعلام الحر
ما قالته الـ “ام تي في”، على أهميته وموافقة معظم المكوّنات اللبنانية والمجتمع الدولي على مضمونه، لم يعد مهماً قياساً بردّة فعل الدولة العميقة عليه. فقد ارتأت الوكالة الوطنية للإعلام (التابعة لوزارة الإعلام)، بإيعاز من جهة مجهولة معلومة، أن تحذف مقدمة الـ “ام تي في” من مقدمات نشرات الأخبار التي تنشرها مساء كل يوم، عقاباً لها على قول كلمة الحق، أو في أقل تقدير على التعبير عن رأيها الحر. فالحكومة العاجزة عن الفعل تجاه المتسبّب بجرّ البلاد إلى ما وصلت إليه، حاولت تعويض عجزها بممارسة سلطة تعسّفية على وسيلة إعلامية حرّة توصّف الوضع كما تراه، من دون المسّ بالمؤسسة العسكرية، ومن دون تحريض سياسي أو ديني أو اجتماعي.
ما يحصل، إن دلّ على شيء، فهو يدل على أن الدولة العميقة التي حكمت البلاد لعقود حتى أوصلتها إلى جهنّم ما زالت تمسك بمفاصل السلطة، وأن “حزب الله” الذي تحكم عن بعد بدمى هذه الدولة ما زال يتحكم بها، بالرغم من الأخطاء والخطايا التي ارتكبها ولا يزال.
المحكمة العسكرية تطلق 3 عناصر من الحزب
دليل آخر على استمرار خضوع الدولة، بكل سلطاتها، لـ”حزب الله”: الحكم الصادر عن المحكمة العسكرية بإطلاق سراح ثلاثة عناصر من الحزب بعد محاكمتهم بجرم حيازة ونقل أسلحة غير مرخصة، مقابل كفالة قدرها مليون وتسعمئة ألف ليرة عن كل عنصر، وهو ما يعني أن عقوبة نقل الصواريخ باتت أقل من محضر ضبط تجاوز السرعة المحددة على الطرقات. وجاء هذا الحكم في أعقاب أنباء عن ضغط كبير مارسه “حزب الله” على المحكمة العسكرية للإفراج عن عناصره، وتسليمه منصات صواريخ تعود له كان الجيش قد ضبطها.
الحكم الصادر عن المحكمة العسكرية يؤكد صحة ما رمت إليه مقدمة الـ “ام تي في”، ويثبت أن على السلطات الرسمية تحمّل مسؤولياتها، وأن على المسؤول الخائف أو العاجز أو غير الراغب في تحمّل المسؤولية أن يفسح في المجال أمام من هو قادر على إنجاز المهمة.
حرية مطلقة.. مع ثلاثة محظورات!!
أما الاستقواء على الإعلام ومعاقبته على نقل الواقع ونبض الشارع، فأعادني بالذاكرة إلى سنوات خلت عندما كنا في حوار مهني يتناول حرية الإعلام في الدول العربية. قال لي في حينه زميل صديق من دولة عربية صديقة إن لدينا حرية مطلقة في العمل باستثناء ثلاثة محظورات: الله ورئيس الجمهورية والجيش. عندها تهكّمنا من الزميل الصديق قائلين: ماذا تبقى لتكتبوا عنه؟
اللهمّ نجّنا من هذه المحظورات الثلاث، لأن نظام تلك الدولة لم يصمد طويلاً بعد تلك الجلسة.

