من طهران إلى بيروت: انقسام القرار بين السياسة والسلاح يربك مسار الحرب

بري وعراقجي

لم يعد الانقسام داخل المحور الذي تقوده إيران مسألة تكهنات سياسية أو تحليلات بعيدة. فالتطورات التي رافقت الحرب الدائرة منذ نهاية الشهر الماضي كشفت تصدّعاً واضحاً في بنية القرار، من طهران إلى بيروت، حيث برز تناقض حاد بين الخطاب السياسي والقرار العسكري، في مشهد يعكس صراعاً خفياً على إدارة الحرب ونتائجها.

بزشكيان يعتذر… والحرس الثوري يواصل القصف

فقد خرج الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بتصريح غير مسبوق، قدّم فيه اعتذاراً للدول العربية المتضررة من العمليات العسكرية، مؤكداً أن بلاده لن تقصف الدول العربية بعد الآن. بدا التصريح محاولة واضحة لاحتواء التصعيد وإرسال إشارات تهدئة إلى المنطقة، خصوصاً في ظل اتساع رقعة الحرب وخشية طهران من انزلاقها إلى مواجهة إقليمية شاملة.

لكن المفاجأة جاءت سريعاً. فبعد ساعات على التصريح، واصل الحرس الثوري الإيراني عملياته العسكرية والقصف الصاروخي، في خطوة بدت وكأنها تجاهل مباشر لكلام الرئيس. هذا التناقض الصارخ كشف ما يشبه الانقسام داخل مركز القرار الإيراني: رئيس يسعى إلى تخفيف التصعيد، ومؤسسة عسكرية تمضي في الحرب بلا تراجع.

بالنسبة إلى كثير من المراقبين، لم يكن ما جرى مجرد خلل في التنسيق، بل إشارة واضحة إلى أن القرار الفعلي في زمن الحرب لا يمر عبر الحكومة بل عبر المؤسسة العسكرية العقائدية.

من طهران إلى بيروت، حيث برز تناقض حاد بين الخطاب السياسي والقرار العسكري، في مشهد يعكس صراعاً خفياً على إدارة الحرب ونتائجها

صدى الانقسام يصل إلى لبنان

هذا التباين في طهران انعكس بسرعة على الساحة اللبنانية. فقرار حزب الله الدخول المباشر في الحرب إلى جانب إيران قبل نحو أسبوع لم يمرّ بهدوء داخل البيئة السياسية الحليفة له.

الخطوة جاءت مفاجئة، ليس فقط للخصوم بل أيضاً لبعض الحلفاء، لأن الحزب اتخذ قرار التصعيد في لحظة سياسية حساسة كان لبنان فيها يحاول تجنّب الانزلاق الكامل إلى الحرب.

وهنا ظهر عنصر لافت: الصمت غير المعتاد لرئيس مجلس النواب نبيه بري، زعيم حركة أمل والشريك الأساسي لحزب الله في ما يُعرف بـ«الثنائي الشيعي».

غضب مكتوم داخل «الثنائي»

في الكواليس السياسية، تتحدث مصادر لبنانية عن امتعاض واضح لدى بري من الطريقة التي اتُّخذ بها قرار الحرب. فبحسب هذه المعطيات، لم يُبلَّغ رئيس المجلس مسبقاً بقرار التصعيد، بل علم به كغيره من القوى السياسية بعد وقوعه.

بالنسبة إلى بري، الذي بنى طوال عقود صورته كمهندس تسويات ووسيط سياسي، شكّل هذا التطور ضربة مباشرة لدوره. إذ تشير المعلومات إلى أنه كان منهمكاً في محاولة صياغة تسوية سياسية داخلية وإقليمية تخفف الضغط عن لبنان، قبل أن يأتي قرار الحزب ليطيح بكل المسار دفعة واحدة.

وفي أوساط سياسية قريبة من حركة أمل، يُوصف ما جرى بأنه «طعنة سياسية» لبري، لأنها تجاوزت شراكته التقليدية في إدارة القرارات الكبرى داخل البيئة الشيعية.

حرب بلا غرفة قيادة واحدة

المشهد الذي يتشكّل اليوم يبدو واضحاً: في طهران، رئيس يعلن التهدئة فيما تواصل المؤسسة العسكرية الحرب. وفي بيروت، زعيم سياسي يحاول حماية الاستقرار الداخلي بينما يفتح الحليف العسكري جبهة جديدة.

هذا التباين يطرح سؤالاً خطيراً حول طبيعة القرار داخل هذا المحور: هل لا تزال هناك غرفة قيادة واحدة للحرب، أم أن القرارات باتت تتخذ بشكل منفصل وفق حسابات كل طرف؟

أوساط سياسية قريبة من حركة أمل، يُوصف ما جرى بأنه «طعنة سياسية» لبري، لأنها تجاوزت شراكته التقليدية في إدارة القرارات الكبرى داخل البيئة الشيعية

تداعيات قد تغيّر مسار الحرب

إذا استمر هذا الانقسام بالظهور إلى العلن، فإن تداعياته قد تتجاوز الخلافات السياسية. فالحروب التي تُدار بقرارات متعدّدة المراكز غالباً ما تصبح أكثر خطورة، لأن غياب التنسيق يفتح الباب أمام خطوات تصعيدية غير محسوبة.

أما لبنان، الذي يجد نفسه مرة أخرى في قلب المواجهة، فيواجه معضلة مضاعفة: حرب إقليمية تتسع، وانقسام داخلي حتى داخل القوى التي تشكّل محور القرار العسكري على أرضه.

وفي ظل هذا المشهد المضطرب، يبدو أن ما يجري ليس مجرد اختلاف في الأسلوب أو التكتيك، بل بداية شرخ سياسي قد يترك آثاراً عميقة على توازنات المنطقة ومسار الحرب نفسها.

السابق
رسميًا: مجتبى خامنئي مرشدا أعلى في إيران خلفًا لوالده
التالي
نجل نصرالله لنجل خامنئي: بايعناك.. بايعناك