أساليب حزب الله في قمع معارضيه (1): الترغيب والترهيب والضغط الاجتماعي

يعتبر حزب الله أن كل من لا ينسجم مع أفكاره داخل البيئة الشيعية هو بمثابة خصم وعدو، بغض النظر عن تاريخه وهويته ومقامه وتعليمه، لأن التفكير بأي فكرة معارضة لتوجهات الحزب هو مسألة ممنوعة ومشكوك بأمرها. ومن هنا يتبع الحزب أساليب محددة للتضييق على معارضيه والمختلفين معه في الرأي.

مروحة من الخيارات: لا بد للفرد أن يخضع لإحداها

ولدى حزب الله مروحة من الوسائل والاستراتيجيات لضبط البيئة الشيعية وتسييرها وتسييلها وفق إرادته وأهدافه وتوجهاته. والفرد أمام هذه المروحة من الوسائل يجد صعوبة في الانفكاك والتحرر، فإذا تخطّى إحدى الوسائل جاؤوه بثانية فثالثة فرابعة. تمامًا كما كان تفعيل هذه المروحة إبان الدخول إلى سوريا، فقد رفع الحزب لواء: الدفاع عن مقام السيدة زينب، ولن تُسبى زينب مرتين، وإذا لم نذهب إليهم سيأتي الدواعش إلينا، وحماية خطوط الإمداد والسلاح، وإذا سقطت سوريا سقطت المقاومة، ومحاربة المشروع الصهيوأميركي والدفاع عنه، والشيعة في خطر والدفاع عنهم واجب، والدفاع عن القضية الفلسطينية، فطريق القدس يمر عبر الزبداني والقصير وحمص وحلب.

أما من يبقى خارج “بيت الطاعة” فهناك وسائل أخرى لإخراسه أو “تحييده”. ومن يظل على عناده وتعنته بالمعارضة، فالتحقيق التالي يوضح الصورة بشكل جلي، لما سيتعرض له.

بداية: الترغيب والإغراء

يمتلك حزب الله منظومة كاملة من المصالح، تبدأ من المدرسة إلى المستشفى إلى المساعدات الاجتماعية، وهي مصالح تشكّل نقاط قوة تُستخدم لجذب الناس، كما تُستخدم لجذب من يندرجون ضمن فئة الصامتين وغير الفاعلين سياسيًا الذين لا تعنيهم السياسة. ومن ثم تُستخدم لجذب المعارضين، إما عبر إحراجهم واللعب على وتر الخجل والحاجة إلى الخدمة، وإما عبر حرمان من يصعب إقناعهم من هذه الخدمات، وبالتالي نبذهم خارج هذه المنظومة بعد أن يقع عليهم “الحرم والجرم”.

التهديد اللطيف المبطن: القناع وما خلفه

زينب، معارضة شيعية تسكن في الضاحية الجنوبية، والتي رفضت الكشف عن هويتها لدواعٍ أمنية، صرّحت لـ”جنوبية” عن تلقيها اتصالًا “لطيفًا” يحمل تهديدًا مبطّنًا من أحد أقاربها. وخلال الدردشة قال التالي: “أنا بعرف رأيك السياسي وبحترمه وبحترم أفكارك، بس لازم تنتبهي لشغلة إنو لما تقلب الطاولة رح تروحي كبش محرقة، لأن إنتِ مجرد عنصر واحد، والمعارضة ما رح تساعدك، وما تنسي وين ساكنة ووين بتشتغلي، وببساطة بيعملولك فركة دينة، وبتقعدي بلا بيت وبلا شغل”. وفهمت زينب محتوى الرسالة التي وصلتها بعد عدة منشورات نشرتها على صفحتها في فيسبوك.

يمتلك حزب الله منظومة كاملة من المصالح، تبدأ من المدرسة إلى المستشفى إلى المساعدات الاجتماعية، وهي مصالح تشكّل نقاط قوة تُستخدم لجذب الناس،

المحاصرة الاقتصادية: قطع الأعناق والأرزاق

يصرح الناشط السياسي الحاج عماد قميحة لجنوبية أن صاحب أدوات صحية في إحدى القرى الجنوبية، تم استهداف مبنى بجانب محله وتضررت مصلحته أضرارًا بالغة، ولانه رفع صوته وكتب على فيسبوك منشورًا يطالب بالتعويض، تمت معاقبته من قبل “أهالي” القرية وامتنعوا عن دخول محله، وبدلًا من التكفير عن ذنبهم والضرر الذي ألحقوه به، وبدلًا من التعميم للأهالي بالشراء من محله، تمت مقاطعته لأنه ممنوع يقول “أخ” ويصرخ من ألمه وقهره.

في ذات السياق، يحكي صيدلاني في جنوب لبنان أن الحزب طلب منه عقد اتفاقية من اجل بيع الأدوية لعناصره وعائلاتهم، لكنه رفض لأنه لا يريد أن يُحسب على أي حزب سياسي. فما كان منهم إلا أن أوعزوا إلى المحيطين به وعناصرهم بمقاطعته والتوقف عن شراء الأدوية من صيدليته، وصنّفوها، وفق ما أشار، ضمن اللائحة السوداء، قاطعين بذلك رزقه. في قصة أخرى من النبطية أيضًا، عمموا إشاعة مفادها أن صاحب دكانة يبيع بأسعار مرتفعة وبأن بضاعته منتهية الصالحة.

وبالمثل، كثيرون من الشيعة أصحاب المصالح تمّ التضييق على مصالحهم الاقتصادية في حال عدم التعاون معهم وتطبيق أجندتهم. يشير أحد مديري المدارس في الضاحية الجنوبية إلى أن الحزب طلب منه تدريس مادة الدين، لكنه رفض لأن هوية المدرسة ليست دينية. وعرضوا عليه دفع مستحقات أستاذ مادة الدين، فلا تتحمل المدرسة أي أعباء مالية، وعلى الرغم من ذلك فقد رفض، معتبرًا أن مادة الدين، وتحديدًا وفق المنهاج المقرر من حزب الله والساعي إلى نشر ثقافة الولي الفقيه، لا تناسب هوية مدرسته. وانهالت الضغوط على مدير المدرسة من شخصيات نافذة، لكنه بقي على موقفه، فكانت ردة فعل الحزب أن أوعز إلى محازبيه والمستفيدين من تقديماته الاجتماعية بعدم تسجيل أبنائهم في المدرسة.

الضغط الاجتماعي: مدرسة “أخلاقية” رجعية

يبحث حزب الله عن “مفاتيح” المعارضين. يرسل خلفهم الأخوة والأقارب والجيران من أجل “ضبطهم” وإفهامهم أن هذا “الحكي وهذه الحركات مش إلك”، ويضعونه بمواجهة أسرته بشكل مباشر، مع كل ما يعني ذلك من تهديد لعلاقاته الاجتماعية والأسرية، مع استخدام سيمفونية الشهداء والدم وإسرائيل، واستحضار كربلاء والإمام الحسين، وغيرها من الوسائل والسرديات التي لا تعد ولا تحصى.

أما في حالة الأشخاص المؤثرين في بيئتهم، فيستخدم الحزب مستوى أعلى من الضغط، حيث يعمد إلى تهشيم شخصيتهم وسمعتهم كي ينفض الناس من حولهم، وفقًا لمقولة: كذب ثم كذب ثم كذب لعلّ شيئاً يعلق في العقول! وتبدأ الضغوط من أمور شخصية وصولًا إلى الاتهام بالعمالة والخيانة والارتهان للسفارات والتمويل الأجنبي. يشير عماد قميحة في هذا الصدد: “تركيب الصورة على هذا النحو يمنع المتلقي من التفاعل مع خطاب أي معارض، فكيف يمكن أن يستمع الجمهور إلى خائن وعميل يقبض أموالًا من الخارج”.

تتوالى القصص ولا تنتهي، قصة صاحب شقة ضغط على مستأجره من أجل إخراجه كونه “لا يشبه البيئة”، وطلب منه المغادرة وتسليم المفاتيح بعد ورود معلومات عن مشاركة المستأجر في ثورة 17 تشرين من العام 2019. ولم تقف القصة هنا، بل طلب من أحد شركائه في العمل اليدوي أن يتوقف عن استقبال أعماله اليدوية وعرضها وبيعها في محله لأنها “نجسة”. اضطر هذا الشخص لمغادرة النبطية كليًا والعيش في بيروت ضمن المنطقة المسيحية حيث توجد حريات أكبر، كما يشير لـ”جنوبية”.

العزل الاجتماعي

الصحافية مريم سيف الدين أشارت في حديثها لـ”جنوبية” إلى أن “العزل الاجتماعي” ووصم الأشخاص المعارضين بتهم محددة تقنية سهلة يلجأ إليها حزب الله. وتابعت سيف الدين بالقول إن الحزب يحاول رمي خسارته في الحرب على معارضيه وعلى بقية اللبنانيين ممن يعارضونه للقول إن سبب الخسارة إنما هو عدم تضامنهم معه في حرب الإسناد، والتلويح إلى أنهم يخدمون العدو الإسرائيلي بخطابهم، تمامًا كما فعل النائب هاني قبيسي وغيره حين صرح قائلًا: “هؤلاء يبحثون عن دور ويلتقون مع نتنياهو في الخطاب”.

في حالة الأشخاص المؤثرين في بيئتهم، فيستخدم الحزب مستوى أعلى من الضغط، حيث يعمد إلى تهشيم شخصيتهم وسمعتهم كي ينفض الناس من حولهم،

تشير مريم سيف الدين إلى مفارقة لافتة، بحيث يقول الحزب لمعارضيه إنهم “خمسة وغولار”، وبذات الوقت يحملون المعارضين مسؤولية الخسارة في الحرب. تنتقل مريم إلى نقطة أخرى لتشير إلى تقنية “تتفيه التفكير”، بحيث يتم تتفيه كل النقاشات والأفكار السياسية والاجتماعية لأي معارض.

وتلفت سيف الدين إلى مسألة حساسة تتعلق بتهجير المعارضين من أماكن سكنهم، وهو ما صل بها بعد التعرض لعائلتها بالضرب في الضاحية الجنوبية، مع كل ما يختزله ذلك من عنف وإقصاء، بحيث تنفصل البيئة عن كل رأي آخر، فلا يعود بالإمكان للمعارضين التواصل مع الشيعة وأبناء قريتهم وفي الأحياء التي تربوا داخلها. وبذلك، بحسب قولها، تصبح البيئة “ذات لون واحد وتفكر بنمط واحد لا يحتمل التعددية”.

السابق
الجيش الإسرائيلي يطلق النار صوب الجيش اللبناني.. ماذا حصل جنوبا؟
التالي
ألمانيا تطالب رعاياها في لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة بـ«توخّي الحذر الشديد»