لم يعد الجدل حول شهادة البريفيه في لبنان مسألة تقنية تتعلق بآلية امتحان أو بظرف استثنائي عابر، بل تحوّل إلى قضية تربوية – سياسية تمسّ صدقية الدولة نفسها.
فمنذ سنوات، يتكرر مشهد إلغاء الامتحان الرسمي ومنح إفادات نجاح جماعية، من دون رؤية إصلاحية واضحة أو قرار نهائي يحسم مصير هذه الشهادة،هذا التأرجح المستمر يضع الطلاب والمدارس وأولياء الأمور أمام حالة ضبابية غير مقبولة في نظام تربوي يفترض أن يقوم على الاستقرار والوضوح والمعايير الثابتة.
الأسباب التي دفعت الدولة إلى اعتماد خيار الإفادات سنوياً متعددة، وفي مقدّمها الأزمة المالية الخانقة التي عصفت بالمؤسسات العامة،فالامتحانات الرسمية تتطلب اعتمادات مالية كبيرة تشمل إعداد الأسئلة، الطباعة، النقل، الحراسة، بدلات المراقبين والمصححين، والتنظيم الإداري الكامل للعملية.
ومع الانهيار المالي وتراجع قدرة الدولة على تغطية النفقات التشغيلية الأساسية، أصبح تمويل هذا الاستحقاق عبئاً ثقيلاً،لكن معالجة العجز المالي عبر إلغاء الامتحان لا تشكّل سياسة تربوية، بل تعبيراً عن عجز بنيوي يُنقل ثمنه إلى النظام التعليمي.
إلى جانب العامل المالي، لعبت الاعتبارات الإدارية والأمنية دوراً في تبرير الإلغاء المتكرر، في ظل إضرابات القطاع العام، وضعف الجهوزية اللوجستية، والقلق من أي توتر أمني قد يعرقل الامتحانات،كما أن التفاوت الكبير في مستوى التعليم بين المدارس والمناطق جعل السلطة السياسية تتردد في إجراء امتحان قد يفضي إلى نسب رسوب مرتفعة في بعض البيئات، بما يحمله ذلك من تداعيات اجتماعية.
تحوّل الاستحقاق التربوي إلى ملف يخضع لحسابات سياسية واجتماعية
وهكذا تحوّل الاستحقاق التربوي إلى ملف يخضع لحسابات سياسية واجتماعية، لا لمعايير الجودة والعدالة.
غير أن أخطر ما في هذا المسار هو تفريغ الشهادة من مضمونها التاريخي والوظيفي،فشهادة البريفيه لم تكن في الأصل مجرد محطة انتقالية شكلية، بل كانت تؤدي دوراً مهنياً واضحاً في بنية التعليم القديم،فقد كان الطالب الذي ينالها قادراً على الالتحاق بدار المعلمين لمدة سنتين، حيث يخضع لتأهيل تربوي يسمح له لاحقاً بالتعليم في المرحلة الابتدائية،أي أن الشهادة كانت تشكّل مدخلاً فعلياً إلى مهنة التعليم، وتحمل قيمة وظيفية معترفاً بها رسمياً.
أما اليوم، فقد تغيّرت شروط مزاولة المهنة جذرياً، وأصبح التعليم يتطلب شهادة جامعية واختصاصاً أكاديمياً ودبلوماً تربوياً وفق الأطر القانونية المعتمدة،بذلك فقدت البريفيه وظيفتها المهنية السابقة، ولم تعد تخوّل حاملها أي امتياز مستقل، ما يطرح بجدية مسألة ضرورتها كشهادة رسمية قائمة بذاتها.
استمرار منح الإفادات يضرب مبدأ العدالة بين الطلاب،إذ يُساوى المجتهد بالمتراخي
في المقابل، استمرار منح الإفادات يضرب مبدأ العدالة بين الطلاب،إذ يُساوى المجتهد بالمتراخي، وتُعتمد علامات مدرسية متفاوتة المعايير من دون مرجعية وطنية موحّدة. كما يُفقد الامتحان الرسمي دوره كأداة لقياس الكفايات الأساسية وضبط الجودة التعليمية،والأسوأ أن هذا الوضع يربك المدارس نفسها، خصوصاً الخاصة منها، التي تجد صعوبة في تنظيم شؤونها المالية والتربوية في ظل غياب استحقاق واضح. فعندما يحصل الطالب على إفادة عامة، يصبح انتقاله إلى مدرسة أخرى أو إلى معهد أمراً سهلاً، ما يضعف قدرة المدارس على تثبيت طلابها وضمان تحصيل أقساطها، ويخلق حالة عدم استقرار في الجسم المدرسي.
المدارس بدورها تحتاج إلى وضوح في السياسات الرسمية كي تبني خططها الأكاديمية والمالية، لا أن تبقى رهينة قرارات متبدلة كل عام.
إن ترك الأمور في هذا التأرجح يضرّ بالجميع،(الطلاب الذين لا يعرفون إن كانوا أمام امتحان فعلي أم إفادة جماعية، المدارس التي تعجز عن التخطيط بثقة، وأولياء الأمور الذين يعيشون قلقاً دائماً بشأن مصير أولادهم.
لذلك، لم يعد مقبولاً أن تبقى شهادة البريفيه في حالة تعليق دائم بين الإلغاء والتفعيل.
الاستمرار في سياسة الإفادات الموسمية، فهو تهرّب من القرار، وتكريس لواقع تربوي هشّ
على الدولة ووزارة التربية أن تحسما الأمر بوضوح ومسؤولية،إما إعادة تنظيم الامتحان الرسمي وتأمين مستلزماته المالية والإدارية بشكل ثابت، وإما إعلان إلغاء الشهادة نهائياً ودمج الصف التاسع ضمن التعليم الأساسي من دون امتحان مركزي، مع وضع نظام تقويم مدرسي خاضع لرقابة صارمة تضمن العدالة والمعايير الوطنية.
أما الاستمرار في سياسة الإفادات الموسمية، فهو تهرّب من القرار، وتكريس لواقع تربوي هشّ لا يليق بدولة تدّعي إدارة نظام تعليمي وطني. القرار يجب أن يُتخذ الآن، لأن التعليم لا يحتمل المساومة ولا يمكن أن يُدار بمنطق الحلول المؤقتة.

