يشهد الجنوب اللبناني تصعيدًا ميدانيًا خطيرًا يتجاوز القصف التقليدي إلى عمليات توغل وتفخيخ ممنهجة، في وقت تودّع فيه القرى شهداءها وسط أجواء من الغضب والقلق. ففي عيتا الشعب، ألقت مروحيات إسرائيلية قنابل صوتية بالتزامن مع قصف مدفعي طال أطراف البلدة، أثناء التحضير لتشييع عبدالله ناصر الذي قضى برصاص قنص إسرائيلي. وأفيد عن انتشار الجيش اللبناني في ساحة البلدة بعد استهداف محيطها بأكثر من عشر قنابل صوتية وقذيفتين مدفعيتين، في محاولة لمنع الأهالي من المشاركة في التشييع، وسط معلومات عن توغل قوة إسرائيلية باتجاه تلة شواط.
وفي بليدا، نفذت مسيرة إسرائيلية اعتداءً ليليًا عبر إلقاء قنابل على منزل مأهول، قبل أن تتوغل قوة عسكرية إلى المكان وتقوم بتفخيخه ونسفه بالكامل بعد إخلاء العائلة. أما في الهبارية، فقد سُجّل خرق إضافي تمثل باختطاف المواطن عطوي عطوي، المسؤول التنظيمي لـ«الجماعة الإسلامية» في منطقة حاصبيا–مرجعيون ورئيس بلدية حاصبيا السابق، في خطوة تنذر بتوسيع دائرة الاستهدافات لتطال شخصيات محلية.
قرى تودّع ضحاياها… والجيش يواكب
على وقع هذه التطورات، ودّعت بلدة يانوح ضحايا «مجزرة السيارة» التي نفذتها مسيرة إسرائيلية، فيما واصلت المدفعية الإسرائيلية استهداف أطراف حولا. في المقابل، أعلن الجيش اللبناني تفجير ذخائر غير منفجرة في مارون الراس، ضمن إجراءات تأمين المناطق الحدودية، كما نفذت وحداته عمليات أمنية داخلية في بعلبك وعكار شملت توقيف مطلوبين وضبط معدات لتصنيع المخدرات.
«حقائب أموال» إيرانية إلى بيروت؟
سياسيًا، تزامن التصعيد الميداني مع تقرير لقناة «إيران إنترناشونال» تحدث عن استخدام وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومسؤولين آخرين جوازات دبلوماسية لنقل مبالغ نقدية كبيرة إلى بيروت مخصصة «لإعادة تأهيل حزب الله». ويأتي ذلك بعد إعلان الحزب دفع بدل إيواء لثلاثة أشهر للمتضررين من القصف.
ورغم نفي طهران هذه الاتهامات واعتبارها «تشويهًا إعلاميًا»، فإن حادثة إعادة «أربع حقائب» من مطار بيروت في كانون الثاني الماضي أعادت فتح ملف التمويل الخارجي، في لحظة سياسية دقيقة تتزامن مع ترقب تداعيات قرار «اليونيفيل» والعدّ العكسي لوجودها في لبنان.
بين النار في الجنوب والأسئلة الثقيلة في الداخل، يقف لبنان مجددًا أمام مشهد مفتوح على كل الاحتمالات.
ترامب: اتفاق “شامل” أو إجراءات صارمة جداً
في المقابل، يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب ممارسة سياسة “الحافة الحادة”، مخيراً طهران بين التوصل لاتفاق “جيد” يضمن غياب السلاح النووي والصواريخ معاً، أو مواجهة إجراءات وصفها بـ “الصارمة جداً”.
ولم يكتفِ ترامب بالوعيد السياسي، بل كشف عن دراسة إرسال مجموعة حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة كجزء من تعزيزات عسكرية ضخمة تهدف لحماية أمن إسرائيل والضغط على القيادة الإيرانية. هذا التصعيد الميداني يضع المنطقة أمام سيناريوهين: إما “اتفاق القرن الإقليمي” الذي يطمح له ترامب، أو انزلاق الأمور نحو مواجهة عسكرية كبرى يحذر الجميع من تداعياتها المدمّرة.

