بما أنّني من الذين صُمّت آذانهم بأسوأ وأخطر شعار أطلقه حزب الله غداة انطلاق الثورة السورية، وهو “لن تُسبى زينب مرتين”، فإنني كنت، إلى جانب الرغبة الذاتية بزيارة مقام السيدة زينب، شديد الاهتمام والحرص على القيام بهذه الزيارة.
يشدّني بأسى حجم التشويه المعنوي الذي أحاط بهذا المقام المحفوظ من قبل أبناء منطقة السيدة زينب منذ مئات السنين، وللعلم فإن أبناء هذه المنطقة هم من المسلمين السنّة، وهذا ما قلناه حين هاج الحزب ومناصروه بحثًا عن ذريعة لقمع الثورة السورية واستدراج بسطاء الشيعة لحرب ليست حربهم.
“حرام مناصرة بشار الأسد ضدّ شعبه، وحرام الوقوف ضد إرادة الثورة وخيارات الشعب السوري”.
عبارة قالها عدد من علماء الشيعة اللبنانيين في ذلك الحين بالفم الملآن: الراحلان الكبيران السيدان هاني فحص ومحمد حسن الأمين قالاها بلا تردد ولا تخفٍّ ولا مسايرة، وأعلنا في بيان مشترك وشهير عام ٢٠١٢ الوقوف إلى جانب الشعب السوري في مواجهة الظلم ونظام الاستبداد.

بين الزيارة الدينية والاستثمار السياسي
لا شكّ أن مقام السيدة زينب في أبهى حلله اليوم من الناحية الإدارية والعمرانية والاهتمام بكافة تفاصيل العمل فيه، وهو محاط بحماية أمنية من السلطة، والولوج إلى داخل المقام متاح، ولا يعوق الراغب في الصلاة أو الدعاء أي عائق. لكن بالمقابل، فإن الحملات الدينية المنظمة لزيارة المقام من خارج سوريا متوقفة إلى حين ترتيب إداري وتنظيمي تقوم بإعداده الجهات المعنية في الدولة، إذ لا ترغب السلطات بأن تؤدي الزيارات المنظمة إلى مشاكل، السلطة بغنى عنها.

الزيارة إلى مقام السيدة زينب تقليد شيعي قديم، لكنها مع الموجة الإيرانية ومع تدخل حزب الله في سوريا، جرى تحويل الزيارة إلى وظيفة بعيدة عن مراميها، ووسيلة استثمار في العاطفة الشيعية من أجل التغطية على ارتكاب التدخل العسكري غير المشروع في سوريا. وصار تنظيم الحملات وتضخيم أعداد الزائرين يتم لأهداف سياسية وحزبية.
الفنادق الفارغة ومنهج الاستفزاز
مئات الفنادق والنُزل فارغة هذه الأيام، لا إيرانيون ولا لبنانيون ولا عراقيون ولا سواهم من الشيعة القادمين من خارج سورية. خلال أربعة عقود من الزمن جرى بناء مئات الفنادق والنزل والمباني لاستقبال زوار المقام القادمين من مناطق الانتشار الشيعي في العالم. كان العراقيون والإيرانيون ولاحقًا اللبنانيون هم الفئة الأكثر عددًا، وهذا ليس عفوياً، بقدر ما كان مترافقًا ومتقاطعًا مع برنامج إيراني لترسيخ الهوية الإيديولوجية وتدعيم برنامج النفوذ داخل سوريا.

وخلال الحرب أفضى هذا المنهج إلى سلوكيات مستفزة لدولة تفتخر بالهوية الأموية، إذ وصل الاستفزاز إلى حد القيام بمسيرات في محيط المسجد الأموي تلعن بني أمية. هذا العقل الذي وصل إلى هذا المستوى كان يعبر عن منهج تدميري وسلوك فتنوي، لا بل مغامرة بإرث تاريخ مديد من الحياة الواحدة والتناغم الطبيعي بين السنة والشيعة.

المنهج الإيراني يختلف عن المنهج العربي الشيعي الذي عبّر عنه السيد محسن الأمين، فقد وقف الاخير بقوة عام ١٩٢٤ بوجه البعثات الإيرانية في قلب الشام التي حاولت تعميم الطقوس المتطرفة في الأوساط الشيعية، وقابلها بالفتوى الشهيرة التي حرّم فيها هذه الطقوس المتخلفة، ومنع تنظيم المسيرات الشعبية التي يردد المشاركون فيها شعارات مذهبية تتحدّى الآخرين في عاشوراء، كما حرّم جلد النفس والتطبير وإسالة الدماء من الرؤوس، وبحكم رعايته لشيعة الشام حثهم على الانخراط مع جميع الطوائف وشرائح الشعب السوري في الدولة السورية الجديدة التي انشئت بزمن الانتداب الفرنسي.

المقام يعود إلى أهله
مقام السيدة زينب عاد اليوم إلى أهله، سنة وشيعة، فتنظيم الزيارات إلى هذا المقام من خارج سورية ليست ممنوعة بشكل فردي أو عائلي كما اسلفنا برعاية السلطة الجديدة، فالهوية الأموية الراسخة تاريخيا في وجدان الدمشقيين والسوريين عمومًا، لم تمنع طيلة مئات السنين أن يستمر مقام السيدة زينب عليها السلام مزارًا للسوريين سنة وشيعة وحتى غير المسلمين.



