بيروت لم تغيّر خيارها… بل عاقبت الفراغ!

انتخابات 2022 بيروت

لم يكن ما جرى في بيروت عام 2022 انتصارا سياسيا لقوى التغيير، ولا تعبيرا عن انقلاب في المزاج الشعبي للعاصمة، بل كان نتيجة فراغ سياسي مدوّ خلّفه انسحاب تيار المستقبل من الحياة العامة. من يروّج لفكرة أن بيروت “اختارت التغيير” يتجاهل حقيقة رقمية وسياسية صارخة: التغييريون دخلوا البرلمان من باب الغياب، لا من بوابة التفويض الشعبي.

بيروت التي اعتادت أن تمنح نوابها عشرات الآلاف من الأصوات التفضيلية، لم تسقط زعاماتها التقليدية عبر صناديق الاقتراع، بل فقدتها مؤقتا بقرار سياسي من خارج العملية الانتخابية. غياب تيار المستقبل لم يفتح الطريق أمام بديل جماهيري منظم، بل أدخل الشارع السني في حالة شلل سياسي، ترجمت بمقاطعة واسعة، لا بتحويل الأصوات نحو قوى ناشئة.

فوز متواضع

النتيجة كانت فوز نواب بأرقام متواضعة إلى حد الإحراج. بضعة آلاف من الأصوات كانت كافية لدخول البرلمان في دائرة تعد من الأكبر ديموغرافيا في لبنان. هذه ليست “موجة تغيير”، بل خلل تمثيلي فرضه قانون انتخابي يسمح بالصعود من تحت السقف الشعبي، ويكافئ التشتت أكثر مما يكافئ الثقة.

الأخطر أن هذا الفوز لم يستثمر سياسيا. لا مشروع واضح، لا خطاب جامع، لا إنجاز تشريعي يذكر. بدل أن يتحول الحضور النيابي إلى معارضة منظمة، تحوّل إلى استعراضات رمزية وانقسامات داخلية ونزاعات عبثية على المواقف. بيروت لم تر من ممثلي “التغيير” ما يقنعها بأن ما حصل كان أكثر من صدفة انتخابية.

الشارع البيروتي، بطبيعته، لا يمنح صكوك بياض. هو شارع قلق، براغماتي، يخشى الفراغ أكثر مما يراهن على التجريب. لذلك جاء تصويته في 2022 احتجاجيا، لا تأسيسيا. وما بين الاحتجاج والتمثيل مسافة لم ينجح التغييريون في عبورها.

عودة المستقبل؟

اليوم، ومع أي حديث عن استحقاق نيابي جديد، تتكشف هشاشة ذلك الفوز. عودة تيار المستقبل، أو حتى بروز أي إطار منظم يملأ فراغه، كفيلة بإعادة خلط الأوراق. وحتى في حال استمرار الغياب، فإن الأداء الضعيف، وغياب الإنجاز، وتآكل الخطاب، كلها عوامل تجعل إعادة إنتاج نتائج 2022 أمرا بالغ الصعوبة.

بيروت لم تغيّر جلدها السياسي. ما حصل كان لحظة عقابية عابرة، لا خيارا استراتيجيا. ومن لا يفهم هذا الفارق، سيكتشف متأخرا أن العاصمة لا تصوّت للفراغ مرتين، ولا تمنح شرعية دائمة لمن دخلوا البرلمان بأصوات لا تصنع تمثيلا.

السابق
سوريا الحرّة (1): حريّة المقاهي.. وغياب صور الرئيس
التالي
مبادرات في العمل الشعبي ودورها في تحقيق احتياجات الأهالي (3): حيّ دلّاعة