ما حدث في طرابلس ليس انهيار بناية، بل تنفيذ حرفي لسياسة قائمة منذ سنوات. السياسة هنا لا تعني قرارًا واحدًا أو تقصير جهة بعينها، بل تعني منظومة حكم كاملة قررت أن إدارة الشمال تتم عبر الإهمال، وأن ضبطه يتم بالفقر، وأن التعامل مع سكانه يكون بالحد الأدنى الذي يمنع الانفجار لا أكثر.
الدولة كانت تعلم. هذه ليست جملة إنشائية، بل حقيقة إدارية. فالتقارير موجودة، المراسلات موجودة، البلديات رفعت كتبًا، الأجهزة تعلم، الوزارات تعلم، النواب يعلمون. ومع ذلك، لم يحصل شيء.
حين تعرف السلطة بالخطر وتتركه قائمًا، فهي لا تُخطئ، بل تختار.
كلفة الموت أقل من كلفة الإخلاء
في طرابلس، لا يُترك الناس في بيوتهم الآيلة للسقوط لأن الدولة عاجزة، بل لأن نقلهم مكلف سياسيًا وماليًا. فكلفة الإخلاء أعلى من كلفة الموت. كلفة تأمين سكن بديل أعلى من كلفة بيانات النعي. وهكذا تُحسب الأمور في دولة تُدار بالأرقام لا بالحقوق.
نهيارات البنايات المتتالية ليست مفاجئة، بل متوقعة. المفاجئ الوحيد هو الإصرار على التعامل معها كأحداث منفصلة، لا كمسار واحد.
كل بناية سقطت كانت نتيجة قرار سابق بعدم التدخل، وكل ضحية هي نتيجة تأجيل متعمّد، وكل تأجيل هو جزء من نظام لا يرى في طرابلس أولوية.
التقارير موجودة، المراسلات موجودة، البلديات رفعت كتبًا، الأجهزة تعلم، الوزارات تعلم، النواب يعلمون. ومع ذلك، لم يحصل شيء
النواب داخل الصورة لا خارجها
النواب ليسوا خارج الصورة. وظيفتهم لا تبدأ عند الميكروفون ولا تنتهي عند التعزية. هم جزء من منظومة تعرف كيف تفتح الملفات حين تريد، وكيف تغلقها حين تصبح مكلفة. يعرفون كيف يرفعون الصوت في الملفات السيادية، ويخفضونه في الملفات التي تتعلق بحياة الناس اليومية.
أما المرجعيات السياسية، وخصوصًا الحريرية، فلا يمكن التعامل معها كتفصيل جانبي في ما جرى. هذا البيت الذي حكم، وشارك في الحكم، وتسلّم القرار المالي والإداري في الدولة لسنوات طويلة، يعرف طرابلس وعكار والشمال جيدًا في محطتين لا ثالث لهما: عند إحياء ذكرى الوفاء للرئيس رفيق الحريري، وعند مواسم الانتخابات.
في هاتين اللحظتين، تُستعاد المدينة خطابًا، ويُستعاد أهلها جمهورًا، وتُستعاد أحياؤها صورًا. أمّا حين تتحوّل المعرفة إلى التزام، وحين يصبح المطلوب سياسة إسكان، أو معالجة جدّية للبنايات الخطرة، أو قرارًا ماليًا يحمي الناس لا الصورة، يختفي هذا الحضور بالكامل. هذا ليس غيابًا بريئًا ولا تقصيرًا عابرًا، بل خيار سياسي ثابت (ذاكرة انتقائية تستحضر الشمال في الرمزية وتقصيه من السياسات الفعلية).
مدينة تُدار كمسألة لا كحق
الدولة لا تتعامل مع طرابلس كمدينة، بل كمسألة. والمسألة تُدار لا تُحل، تُترك على نار منخفضة (لا إنماء كافٍ، لا انفجار شامل). انهيار هنا، حادث هناك، غضب يُفرَّغ ثم يُعاد احتواؤه. هذا ليس فشلًا، بل توازنًا مقصودًا.
من يعتقد أن ما جرى نتيجة غياب الإمكانات يخطئ التشخيص. الإمكانات تُستخرج حين يكون القرار موجودًا، والموازنات تُعدّل حين تكون الأولوية سياسية. أمّا حين لا تكون، يصبح الموت تفصيلًا.
النواب ليسوا خارج الصورة. وظيفتهم لا تبدأ عند الميكروفون ولا تنتهي عند التعزية. هم جزء من منظومة تعرف كيف تفتح الملفات حين تريد، وكيف تغلقها حين تصبح مكلفة
الدولة تعرف… وتختار
طرابلس اليوم لا تكشف عجز الدولة، بل تكشف وظيفتها الحقيقية. دولة تعرف أين تضع ثقلها، وأين ترفعه، تعرف من تحمي، ومن تترك، تعرف أن بعض المناطق يمكن أن تنتظر، وبعضها لا يجوز أن ينتظر.
ما سقط في طرابلس ليس بناءً فقط. ما سقط هو الادعاء بأن الدولة لا تعرف، أو لا تستطيع. الدولة تعرف، وتستطيع، لكنها اختارت ألا تفعل، وهذا أخطر ما في الأمر…

