استفتاء الجنوبيين في عهد سلام: صرخةُ كرامة بوجه المغامرات العبثية

نواف سلام
لقد اختار الجنوب، عبر استقباله الحاشد لنواف سلام، أن يكون لبنانياً أولاً وأخيراً. هذه الحفاوة هي "نعي رسمي" لكل المشاريع الميليشياوية التي تورطت في دماء الجنوبيين وأرزاقهم. هي صرخة بوجه كل من يحاول إبقاء الجنوب رهينة للسلاح والتوتر.

حين تدفقت الحشود في قرى الجنوب اللبناني، من صور والناقورة إلى مرجعيون وحاصبيا، لاستقبال رئيس الحكومة نواف سلام بالورد والأرز، لم تكن تلك المشاهد مجرد ترحيب تقليدي بمسؤول يزور منطقة منكوبة.

كانت تلك الحفاوة، في جوهرها، بمثابة “انتفاضة بيضاء” ضد واقع قسري فُرض على الجنوبيين لعقود، وإعلاناً شعبياً صريحاً بأن “خيار الدولة” ليس مجرد شعار، بل هو المطلب الأول والوحيد لمن دفعوا أثمان الحروب والمغامرات الإقليمية من دمائهم وأرزاقهم.

سقوط “الاستثناء” والعودة إلى كنف الدستور

لسنوات طويلة، عاش الجنوب اللبناني حالة من “الاستثناء” السياسي والأمني، حيث صودر قرار السلم والحرب لصالح أجندات عابرة للحدود، وحُولت القرى الحدودية إلى “صناديق بريد” وساحات لما يسمى “بجبهات الإسناد”. هذه السياسات التي رهنت مصير اللبنانيين لمشاريع خارجية، انتهت بالجنوب إلى دمار شامل ونزوح مرير، مما ولّد قناعة راسخة لدى الأهالي بأن زمن “الدويلة داخل الدولة” لم يورثهم سوى الرماد.

الهتافات التي صدحت باسم الشرعية في سراي مرجعيون وأزقة بنت جبيل كانت استفتاءً عفوياً يؤكد أن الجنوبي سئم الوعود الواهمة و”الانتصارات” التي لا تُبنى إلا فوق الأنقاض، وبات يتوق إلى “أمان الدولة” الذي لا يفرقه عن بقية مواطنيه

زيارة نواف سلام، وما رافقها من زخم وزاري وخدماتي، جاءت لتعلن طي هذه الصفحة السوداء. إنها زيارة “العودة إلى القاعدة” الطبيعية، أي أن تكون الدولة اللبنانية بجيشها ومؤسساتها هي الراعي الحصري والوحيد.

الهتافات التي صدحت باسم الشرعية في سراي مرجعيون وأزقة بنت جبيل كانت استفتاءً عفوياً يؤكد أن الجنوبي سئم الوعود الواهمة و”الانتصارات” التي لا تُبنى إلا فوق الأنقاض، وبات يتوق إلى “أمان الدولة” الذي لا يفرقه عن بقية مواطنيه.

تفكك أسطورة “الرعاية البديلة”

على مدى عقود، حاول أصحاب السلاح غير الشرعي تصوير الدولة ككيان عاجز أو مهمل، بهدف تكريس منظوماتهم الأمنية والخدمية البديلة. لكن جولة سلام كشفت زيف هذه السردية؛ فالدولة التي غابت طويلاً لم تغب رغبةً، بل غُيبت قصداً لتوسيع نفوذ الدويلة.

الرسالة التي وجهها سلام، والتي التقطها الجنوبيون بحفاوة، هي أن زمن “وحدة الساحات” قد انتهى ليحل محله زمن “وحدة المؤسسات”

اليوم، حين يتحدث سلام عن تأهيل شبكات المياه والكهرباء في مرجعيون، ودعم مزارعي التبغ في عيترون، وترميم البنى التحتية في بنت جبيل، فإنه يضع المدماك الأول في مسيرة “التعافي السيادي”. الدولة هنا لا تقدم “معونات مشروطة” بالولاء السياسي، بل تؤدي واجبها تجاه مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.

هذا الحضور الخدماتي، المترافق مع تحية الجيش اللبناني على دوره في بسط السلطة، ينهي عصر “المال النظيف” المسيس الذي كان يُستخدم لترويض القرار الشعبي.

نهاية زمن “الإسناد” والمغامرات العبثية

لقد أثبتت الحرب الأخيرة، بكل مآسيها، أن نظرية “جبهات الإسناد” لم تكن سوى توريط عبثي للبنان في صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل. الجنوبيون الذين استقبلوا سلام، استقبلوه كمنقذ من دوامة العنف التي لا تنتهي. لقد أدرك هؤلاء أن الحماية الحقيقية لا تأتي من الصواريخ المخزنة بين بيوتهم، والتي تستدرج القذائف الإسرائيلية وتدمر أمانهم، بل تأتي من حماية الجيش اللبناني، والدبلوماسية الرسمية، والالتزام بالقرارات الدولية.

الرسالة التي وجهها سلام، والتي التقطها الجنوبيون بحفاوة، هي أن زمن “وحدة الساحات” قد انتهى ليحل محله زمن “وحدة المؤسسات”. لم يعد الجنوب ساحة لتوجيه الرسائل، بل عاد ليصبح جزءاً أصيلاً من الوطن، محمياً بقرار سياسي موحد ينطلق من مصلحة بيروت، لا من إملاءات عواصم إقليمية ترى في الجنوب مجرد ورقة تفاوض.

الدولة كخيار وحيد وأخير

كان تصريح النائب علي حسن خليل لافتاً حين قال للرئيس سلام: “نتواجد معك يداً بيد لنؤكد أهمية دور الدولة”. هذا الموقف، رغم خلفياته السياسية، يعكس حقيقة أن الجميع بات يدرك أن “السفينة اللبنانية” لا يمكن أن تُقاد برأسين. فالدولة القوية، التي تشكل الأمان والإنماء معاً، هي الحل الوحيد لضمان عودة الناس إلى قراهم بكرامة واستقرار مستدام.

زيارة سلام هي “خارطة طريق” لمستقبل لبنان؛ مستقبل لا مكان فيه إلا للسلاح الشرعي تحت إمرة الدولة، ولا سيادة فيه إلا للدستور

إن بسط سيطرة القوى الشرعية ليس تهديداً لأحد، بل هو الضمانة للأهالي بأن جولات الحرب لن تتكرر، وأن دمار المنازل سينتهي. فالدولة التي تبني الطرق والمستشفيات والمدارس، هي الدولة التي تصون السلم الأهلي وتمنع تحول الجنوب إلى مسرح دائم للمواجهات.

نحو فجر سيادي جديد

لقد اختار الجنوب، عبر استقباله الحاشد لنواف سلام، أن يكون لبنانياً أولاً وأخيراً. هذه الحفاوة هي “نعي رسمي” لكل المشاريع الميليشياوية التي تورطت في دماء الجنوبيين وأرزاقهم. هي صرخة بوجه كل من يحاول إبقاء الجنوب رهينة للسلاح والتوتر.

زيارة سلام هي “خارطة طريق” لمستقبل لبنان؛ مستقبل لا مكان فيه إلا للسلاح الشرعي تحت إمرة الدولة، ولا سيادة فيه إلا للدستور. لقد أعطى الجنوبيون نواف سلام “تفويضاً شعبياً” لإعادة بناء ما هدمته المغامرات، ولتثبيت هوية الجنوب كحضن للشرعية، ومنارة للصمود المدني، وركيزة أساسية في بناء لبنان الجديد الذي يقوم على أنقاض الأوهام، لينهض بقوة الحقيقة والمواطنة الصالحة.

السابق
«الصحة» متفاجئة من وصم 8 مستشفيات لبنانية بـ«الإرهاب»: سابقة غريبة من الكويت 
التالي
بالفيديو: 14 ضحية في انهيار مبنى في التبانة طرابلس.. ورئيس البلدية يضع الاستقالة بتصرف وزير الداخلية