العصا الناعمة!

الامم المتحدة

على عكس العصا الغليظة التي يعيشها العالم هذه الايام… تسير الترتيبات في انقرة على خلفية التحدث والمفاوضات بالعصا الناعمة التي بدأت معالمها تظهر للمراقبين من كل الأجناس والالوان والأشكال والأحجام الدولية والإقليمية والعربية من واشنطن إلى بكين مرورًا بأوروبا الغربية وروسيا وهلمجرا… وصولًا إلى مربض السلطان العثماني للمفاوضات بشأن (الملف النووي الإيراني الشبهة أساسًا)… المفاوضات التي سوف تجري في عاصمة الباب العالي التركي بالنيابة عن جميع المعنيين جميعا..

الشرق الأوسط بين خرائط متداخلة ونكبات متراكمة

لا أعتقد أن هنآك أحدٍ غير معني في هذا العالم بما يجري في الشرق الأوسط القديم “الجديد” الذي تداخلت فيه الخرائط كلها منذ (طوفان الأقصى الشبهة الاخرى) الى قراءات غير تقليدية او غير مألوفة في أهم جيوبوليتيك في عالمنا المعاصر… العالم المعاصر الذي رحب بنزول مصطفى الخميني يومًا من سلم طائرة الخطوط الفرنسية على أرض مطار طهران التي أُعتبرت (نكبة 1979) نكبة جديدة في المنطقة تساوي (نكبة احتلال فلسطين 1948) من طرف الكيان الاسرائيلي الذي اغتصب فلسطين واقام دولته الغاصبة بترحيب دولي مشبوه إلى أيامنا هذه التي ستلاحقنا عليها كل ارواح واطياف الضحايا البريئة حتى الأبد… نعم نحن في الشرق الأوسط أصبحنا ضحايا تقاطعات التحالفات الغادرة بين (((نكبتين))) لم تشهد لهم المنطقة مثيلًا منذ غزوات التتار والمغول تاريخيًا.

واشنطن وإسرائيل وتبدّل الشروط

حذر مسؤول إسرائيلي سابق في مداخلة في أحد مراكز الدراسات الأميركية من أن تكون واشنطن قد تخلّت عن شروطها بما يخص البرنامج الصاروخي الإيراني وما يسمى بـ نفوذ إيران الإقليمي باعتبارها قضايا إقليمية كانت تتبناها واشنطن بسبب مطالبات حلفائها الإقليميين تعليقاً على اتفاق عام 2015 خصوصاً الخليج و”إسرائيل” ومع ضغط الخليج لتجنب خيار الحرب وسعي “إسرائيل” لتحييد نفسها من تداعيات الحرب بوساطة روسية من وراء ظهر أميركا باتت واشنطن تتصرّف كأنها في حل من هذا الالتزام والتخلي عن العصا الغليظة بعصا تركية ناعمة. والأرجح أنها سوف تقبل بحصر التفاوض بالملف النووي وربما تذهب إلى التفاوض في هذا الإطار على ضمانات أكثر تشدداً من تلك الواردة في اتفاق 2015 بدل الإصرار على وقف تخصيب اليورانيوم وفي هذه الحالة سوف تكون “إسرائيل” قد خسرت فرصة تاريخية لن تكرّر مع الحشود الأميركية التي جاءت بنية شن حرب على إيران تهربت “إسرائيل” من الشراكة في دفع فواتيرها.

أنقرة كمنصة تفاوض إقليمية

قال مصدر دبلوماسي في دولة إقليمية بارزة تلعب دوراً في التفاوض بين أميركا وإيران إن مشاركة دول الإقليم في اجتماع أنقرة بين الإيرانيين والأميركيين هو مدخل لإدخال دول المنطقة في تحمّل مسؤولية القضايا التي تخصها مثل نفوذ إيران الإقليمي وبرنامجها الصاروخي، بينما يبقى الملف النووي موضوع اهتمام أميركي محوري، مشيراً إلى أنه سبق لدولة المنطقة أن طلبت توسيع إطار خمسة زائد واحد لضمان مشاركتها في المفاوضات ورفض طلبها وتوقع أن يؤدّي الاجتماع إلى رسم هيكلية تفاوضية تسهل على أميركا وإيران التفاوض وسوف تكون “إسرائيل” الجهة الوحيدة الغائبة عن طاولة المفاوضات بل سوف تكون الجهة التي وحّد الخوف من تغول دورها وارتفاع سقف عدوانيتها الدول التي كانت في حال خلاف وصراع كحال ايران توأمها في حاضنة النكبتين او معهد صناعة النكبات العميقة، خصوصاً بعد تجربة سورية وقصف الدوحة والتوسع الإسرائيلي نحو أرض الصومال وحضرموت.

العصا الغليظة في الفكر الاستراتيجي الأميركي

استوحى المحلل الاستراتيجي الأمريكي إليوت كوهين في كتابه، والذي يحمل عنوانه الأصلي: “The Big Stick: The Limits of Soft Power and the Necessity of Military Force” الفكرة الجوهرية (العصا الغليظة) من مقولة الرئيس الأمريكي الأسبق تيودور روزفلت: “تحدث بنعومة، واحمل عصا غليظة”. يجادل الكتاب بأن الولايات المتحدة والقوى الكبرى لا يمكنها الاعتماد فقط على “القوة الناعمة” (الدبلوماسية، الثقافة، الاقتصاد) للحفاظ على النظام العالمي، بل يجب أن تمتلك قوة عسكرية رادعة ومستعدة للاستخدام عند الضرورة. يرى المؤلف أن هناك مبالغة في التفاؤل بقدرة الدبلوماسية وحدها على حل الصراعات. ويوضح أن القوة الناعمة لا تعمل إلا إذا كانت مدعومة بتهديد حقيقي (القوة الصلبة). ويرى ان الأطراف المعادية لا ترتدع بالقيم الثقافية أو الإغراءات الاقتصادية إذا رأت ضعفاً عسكرياً.

تحديات القوة في العالم المعاصر

يحدد المؤلف أربعة تحديات رئيسية تواجه القوة الأمريكية والعالمية في العصر الحديث، وتتطلب وجود “العصا الغليظة”:

القوى الصاعدة والمراجعة: مثل الصين وروسيا التي تسعى لتغيير موازين القوى.

الدول المارقة: مثل إيران وكوريا الشمالية.

الجماعات المسلحة العابرة للحدود: (الإرهاب والحركات غير النظامية).

المشاعات العالمية: الحفاظ على حرية الملاحة في البحار، الفضاء، والأمن السيبراني.

يمثل الكتاب دعوة لصناع القرار للعودة إلى “الواقعية السياسية”. رسالته هي أن السلام لا يتحقق بالتمني، بل بالقدرة على إظهار القوة ومنع الخصوم من التفكير في خيار الحرب من الأساس.

لحظات القدر في مسار التاريخ

أن مسار الأحداث في التاريخ لا يسير بوتيرة ثابتة، بل هناك لحظات نادرة وقصيرة جدًا، يسميها المؤرخون “ساعات او دقائق او لحظات القدر”، تُتركز فيها دراما التاريخ وتتحدد فيها مصائر الأمم والشعوب لسنوات طويلة. في هذه الساعات او الدقائق او اللحظات الحرجة، قد تتوقف مصائر العالم على قرار واحد، او صدفة عابرة كما يقول الروائي ستيفان زفايغ في كتابه “ساعات القدر في تاريخ البشرية”، أو مجرد لحظة ضعف بشري واحدة قد ينتهي معها كل شيء.

دروس التاريخ كما يرويها زفايغ

يروي ستيفان مجموعة من القصص التاريخية الواقعية التي توضح تأثير هذه اللحظات:

على سبيل المثال لا الحصر: كيف أدى نسيان باب صغير في أسوار القسطنطينية إلى دخول العثمانيين وتغيير وجه التاريخ الأوروبي والعالم.

يسرد زفايج التاريخ كأنه رواية مثيرة، دروس حياتية: يعلمنا أن الفرصة قد تأتي مرة واحدة، وأن التاريخ لا يرحم المترددين.

السابق
سلام من دبي: ملتزمون بالإصلاح واستعادة السيادة.. ونرفض إدخال لبنان في مغامرات جديدة
التالي
الأمن العام يحذر من «فخ البيانات»: امتنعوا عن تعبئة الاستمارات المشبوهة منعاً لاستغلالها من العدو