حضّر «حزب الله» نفسه ليكون كبش فداء دفاعاً عن نظام المرشد الإيراني علي خامنئي، الذي يواجه إعصاراً داخلياً وخارجياً يضع مستقبله السياسي على طاولة البحث. وقد فجّرت مواقف الأمين العام للحزب، الشيخ نعيم قاسم، عاصفة واسعة من الانتقادات، بعد إعلانه استعداد الحزب للانخراط في معركة الدفاع عن المرشد في حال شنت الولايات المتحدة حرباً على الجمهورية الإسلامية أو على خامنئي شخصياً.
ورغم حدّة الاعتراضات، لم يبادر «حزب الله» إلى احتوائها أو تهدئة المخاوف اللبنانية، ولا سيما داخل البيئة الشيعية القلقة من تجدد الأخطار على لبنان. وهو ما أعاد التأكيد على حقيقة باتت راسخة: الحزب ليس سوى امتداد عضوي للحرس الثوري الإيراني، يتحرك حيث تريد طهران، ويقاتل حيث تقرر.
اليوم، لم يعد الصراع محصوراً بالأذرع، بل بات رأس النظام الإيراني نفسه في دائرة الاستهداف. ومعه، أصبح مصير «حزب الله» موضع استعجال غير مسبوق.
مصير يُحسم خارج لبنان
سبق أن قيل إن مصير «حزب الله» يُقرَّر في طهران، وقد جاءت تطورات ما بعد 2023 لتؤكد هذا المعطى. فعلى الرغم من الضربات القاسية التي تلقاها الحزب، والتي طالت قيادته التاريخية وعلى رأسها أمينه العام السابق السيد حسن نصرالله، إضافة إلى تفكيك جزء واسع من بنيته الأمنية والعسكرية، بقي الحزب واقفاً على ما تبقى من قدراته، بما سمح للأمين العام الجديد بالمضي في خطاب التهديد والانخراط المحتمل في معركة الدفاع عن خامنئي.
لكن الجديد اليوم أن بقاء المرشد أو رحيله لم يعد تفصيلاً مؤجلاً، بل معركة مفتوحة زمنياً وسياسياً. وفي هذا السياق، يبرز «حزب الله» بوصفه الذراع الأهم ضمن شبكة الأذرع التي تطالب الولايات المتحدة بإنهاء دورها، في إطار إعادة رسم معادلة النفوذ الإقليمي.
لفهم ما ينتظر إيران و«حزب الله»، يمكن التوقف عند ثلاثة تقارير متقاطعة تشكّل معاً صورة المرحلة المقبلة.
أولاً: التعثّر الإيراني – تقرير «نيويورك تايمز»
تحت عنوان «آية الله الإيراني وحراسه يتعثرون بعد عاصفة الحرب والاحتجاجات»، كتب ديكلان والش في «نيويورك تايمز» (24 كانون الثاني 2026) تقريراً يستند إلى زيارة ميدانية لإيران عقب الصراع العسكري الأخير مع إسرائيل والولايات المتحدة.
يرسم التقرير صورة نظام تلقّى ضربة غير مسبوقة، تمثلت بالقضاء على القيادة العليا للحرس الثوري خلال قصف إسرائيلي، وهو ما مثّل أقسى خسارة عسكرية لإيران منذ عقود. ومع صعود جيل جديد من القادة، واجه النظام تحديات متزامنة: انهيار اقتصادي، عقوبات محتملة، تهديدات عسكرية مباشرة من ترامب وإسرائيل، واحتجاجات داخلية واسعة.
رغم الخسائر بقي الحزب واقفاً على ما تبقى من قدراته، بما سمح للأمين العام الجديد بالمضي في خطاب التهديد والانخراط المحتمل في معركة الدفاع عن خامنئي.
الرد جاء دموياً. إذ أطلقت القوات النار على المتظاهرين العزل، ما أسفر عن أكثر من خمسة آلاف قتيل خلال أسابيع، وفق منظمات حقوقية. ورغم أن القمع أظهر تماسكاً شكلياً للنظام، فإن خبراء إيران رأوا فيه دليلاً على ضعف عميق وقلق وجودي.
ويشير التقرير إلى أن شرعية خامنئي باتت موضع تحدٍّ علني، فيما أصبح الحرس الثوري العمود الفقري الحقيقي للنظام. وتُطرح سيناريوهات غير مسبوقة، من بينها انتقال السلطة إلى شخصية عسكرية، أو حتى انقلاب داخلي، وهو ما كان يُعدّ مستحيلاً قبل سنوات قليلة.
ويخلص التقرير إلى أن إيران تواجه أزمة شاملة: أذرعها الإقليمية، ومنها «حزب الله» و«حماس»، في وضع متدهور، برنامجها النووي فشل في فرض الردع، والنظام «مفلس أيديولوجياً واقتصادياً»، لكنه لا يزال يمتلك آلة قمع فعّالة.
لكن معظم المحللين يتفقون على أن الضغط على آية الله خامنئي والحرس الثوري هذه المرة من المرجح أن يزداد فقط. فـ”هذه ليست حالة مستدامة حيث تنتظر موت قائد مسن لإعادة الأمور إلى نصابها”، مقارنا ذلك بالسنوات الأخيرة لماو تسي تونغ في الصين، أو ليونيد إ. بريجنيف في الاتحاد السوفيتي. في إيران، “المشكلة أن البلاد لا تملك الوقت لانتظاره.”
ثانياً: الداخل الإيراني – تقرير «النهار»
التقرير الثاني، الذي نشرته صحيفة «النهار» من طهران تحت عنوان «دعوات إلى استقالة خامنئي وروحاني يستعد للمرحلة الانتقالية»، يضيء على الانقسام الحاد داخل التيار الإصلاحي الإيراني عقب مجازر كانون الثاني 2026.
ففي حين طالب جناح إصلاحي راديكالي بمحاسبة الأجهزة الأمنية وذهب بعضه إلى حد المطالبة باستقالة خامنئي، رفضت شخصيات إصلاحية بارزة هذا الطرح، مفضّلة مقاربة أكثر حذراً. غير أن شخصيات مثل مير حسين موسوي، حسن روحاني، ومصطفى تاج زاده، تُظهر تقارباً متزايداً حول فكرة أن أي إصلاح بات مستحيلاً دون تنحي المرشد.
ويشير التقرير إلى تداول سيناريوهات مرحلة انتقالية، مع حديث عن إمكان استعانة الولايات المتحدة بشخصيات «مخضرمة» لضبط الاستقرار، على غرار النموذج الفنزويلي، وهو ما يثير رفضاً شديداً لدى أنصار رضا بهلوي.
وخلص التقرير الى القول: “يبدو أن شخصيات مثل مير حسين موسوي، علي أكبر ناطق نوري، والرئيس السابق حسن روحاني (رئيس سابق 2013–2021)، ومصطفى تاج زاده تتقارب مواقفها من بعضها، رغم خلافات سابقة. ورغم صمتهم الحالي (ربما بسبب قطع الإنترنت الذي دخل يومه العشرين)، يُبدي هؤلاء يأساً كبيراً من إمكانية تغيير سياسات النظام دون استقالة أو تنحي خامنئي. ويُعتقد أن محمود أحمدي نجاد (رئيس سابق 2005–2013) ينتمي إلى هذا التيار رغم خلافاته مع الإصلاحيين.
“تتداول سيناريوهات مرحلة انتقالية، مع حديث عن إمكان استعانة الولايات المتحدة بشخصيات «مخضرمة» لضبط الاستقرار، على غرار النموذج الفنزويلي، وهو ما يثير رفضاً شديداً لدى أنصار رضا بهلوي”
وتشير بعض التحليلات إلى أن شخصيات مثل حسن روحاني تفكر في استعادة نفوذها في مرحلة انتقالية محتملة بعد أي انهيار للنظام. ويُقال إن الولايات المتحدة قد تلجأ، كما في فنزويلا، إلى شخصيات سياسية مخضرمة ومعروفة لضمان الاستقرار في مرحلة ما بعد الجمهورية الإسلامية. هذا الرأي يواجه رفضاً شديداً من أنصار رضا بهلوي الذين يرفضون مشاركة أي مسؤول سابق في النظام في إدارة البلاد بعد السقوط”.
ثالثاً: ساعة القرار – التقرير الإسرائيلي
أما التقرير الثالث، الذي نشرته «يديعوت أحرونوت» بعنوان «إما الإذعان لشروطنا أو الحرب.. و”حزب الله”: هل نقف متفرجين؟»، فيكشف حجم التنسيق الاستخباري والعسكري الأميركي–الإسرائيلي في التحضير لاحتمال توجيه ضربة لإيران.
ويبرز التقرير دور رئيس شعبة الاستخبارات الإسرائيلية في تزويد واشنطن بالمعلومات اللازمة، فيما لا يزال ترامب يوازن بين الحرب والضغط السياسي. وفي هذا السياق، يُنظر إلى موقف «حزب الله» بوصفه عاملاً حاسماً.
وخلص تقرير الصحيفة الإسرائيلية الى القول: “في هذه الأثناء، فضّل نعيم قاسم، أمين عام “حزب الله”، الذي لم يساعد الإيرانيين في حملة “الأسد الصاعد” بل ولم يرد على تصفية رئيس الأركان “طبطبائي” المنسوبة لإسرائيل، فضّل الاكتفاء بالتهديد، لكنه لم يتعهد بالمشاركة في القتال. وذلك رغم الضغط الذي مارسه وزير الخارجية الإيراني الذي وصل قبل نحو أسبوع خصيصاً إلى بيروت في محاولة لإقناعه بالتدخل.
قال قاسم في خطاب ألقاه الاثنين في مؤتمر دعم لإيران عقد بضاحية بيروت: في الشهرين الأخيرين سُئلنا غير مرة إذا كان “حزب الله” سيتدخل، إذا ما فتحت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً ضد إيران. مع حلول الوقت، سنقرر كيف نعمل: نتدخل أم لا. لسنا حياديين أمام هجوم ضد إيران”. وشدد على أن مثل هذه الحرب ستشعل المنطقة كلها.
إذا تدخل “حزب الله” بالفعل فإسرائيل مستعدة لرد غير متوازن ضده – خطة كانت في الجارور وتأجلت- لكن المتوقع هذه المرة أن تكون ذات مغزى أكثر بكثير.”
“فضّل الشيخ قاسم الاكتفاء بالتهديد، لكنه لم يتعهد بالمشاركة في القتال ضد اسرائيل. وذلك رغم الضغط الذي مارسه وزير الخارجية الإيراني”
لبنان أمام المجهول
تتقاطع التقارير الثلاثة عند حقيقة واحدة: إيران تمرّ بمرحلة غير مسبوقة، ونظام المرشد بات مهدداً من الداخل والخارج. وفي حال اندلاع حرب جديدة، فإن «حزب الله» سيكون في صلبها، وقد يدفع لبنان مجدداً ثمن قرار لا يُتخذ على أرضه.
الاستعداد اللبناني لم يعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية، في مواجهة حرب محتملة قد تغيّر المشهد الداخلي تغييراً جذرياً، وتضع البلاد أمام أخطر اختبار منذ عقود.

