في توقيت سياسي بالغ الحساسية، استقبل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في قصر بعبدا رئيس مجلس النواب نبيه بري، في لقاء تجاوز بمدلولاته جدول الأعمال المعلن، ليوجه رسائل تهدئة قوية في الداخل اللبناني المشتعل سياسياً وميدانياً.
1. الملفات الميدانية: الجنوب والبقاع في صلب البحث
تركز البحث بين الرئيسين على التطورات الدراماتيكية في الجنوب اللبناني، مع توسع رقعة الاعتداءات الإسرائيلية لتشمل مناطق في عمق البقاع. وتناول اللقاء النقاط التالية:
- خطة الصمود: سبل دعم أهالي القرى الحدودية الذين دُمرت منازلهم، وتأمين مقومات العودة السريعة والتعويضات اللازمة.
- المسعى الدبلوماسي: الجهود المبذولة دولياً للجم التصعيد وضمان انسحاب العدو الإسرائيلي من النقاط المحتلة، التزاماً بالثوابت الوطنية.
2. دحض “شائعة الاستهداف”: بري في بعبدا رداً على التوتر مع الحزب
تأتي أهمية هذه الزيارة من كونها رداً عملياً ومباشراً على الحملات الإعلامية التي شنتها “بيئة الحزب” ضد رئيس الجمهورية في الآونة الأخيرة.
إقرأ أيضا: المجلس الشيعي على صفيح ساخن: قانون استثنائي ومعركة كسر عظم بين الحركة والحزب
فبعد مواقف الرئيس عون السيادية التي فسرتها بعض الأوساط بأنها “استهداف للطائفة الشيعية”، جاء حضور الرئيس بري وتصريحه بأن “اللقاءات مع فخامة الرئيس دائماً ممتازة” ليضع حداً لهذه التأويلات.
مؤشرات اللقاء السياسية:
- نفي القطيعة: الزيارة تؤكد أن قنوات التواصل بين رئاسة الجمهورية والمكونات الوطنية والسياسية للشيعية السياسية (عبر بوابة عين التينة) لا تزال مفتوحة وفعالة، رغم “الجفاء” المعلن مع حزب الله.
- الرئيس لكل اللبنانيين: شددت المعلومات المسربة عن اللقاء على أن العماد جوزاف عون يقف على مسافة واحدة من الجميع، وأن ممارسته للسلطة تنطلق من معيار “المواطنة والدستور” لا من منطلق استهداف أي طائفة.
- السلم الأهلي هو الحصانة: اتفق الرئيسان على أن الحوار الوطني هو “خط الدفاع الأول” عن لبنان في وجه الأزمات الإقليمية، وأن أي خلاف سياسي لا يجب أن يمس بجوهر العيش المشترك.
3. الثوابت الوطنية وإعادة الإعمار
أكد اللقاء على الالتزام الكامل بمثلث (الانسحاب، عودة المهجرين، إعادة الإعمار)، معتبرين أن كرامة المواطن اللبناني في أرضه هي جزء لا يتجزأ من سيادة الدولة.
كما تم التأكيد على أن الدولة اللبنانية، بجيشها ومؤسساتها، هي المظلة الوحيدة القادرة على تأمين الاستقرار المستدام.
وبينما كانت منصات التواصل ووسائل الإعلام التابعة لبيئة الحزب تضج بالانتقادات الموجهة لبعبدا، جاء مشهد “المصافحة” والاتفاق بين عون وبري ليبرد الأجواء.
إن وصف بري للقاء بـ”الممتاز” ليس مجرد مجاملة بروتوكولية، بل هو “غطاء سياسي” يُعاد منحه لمقام الرئاسة، ويؤكد أن الخلاف في وجهات النظر حول السلاح والسيادة لا يعني أبداً الصدام مع الطائفة، بل هو نقاش تحت سقف الدولة.
إقرأ أيضا: قصة الـ40 مليون دولار التي دفعتها إسرائيل لاغتيال نصرالله
وتظهر المفارقة الصارخة في المشهد السياسي اللبناني اليوم عند المقارنة بين ردود فعل “بيئة الحزب” وبين الأداء السياسي للرئيس نبيه بري.
فبينما تندفع الماكينات الإعلامية والإلكترونية التابعة للحزب نحو “شيطنة” مواقف رئيس الجمهورية، مستخدمةً لغة التخوين والاتهامات بالانقلاب على الطائفة، يبرز الرئيس بري كصمام أمان وطني، متعالياً فوق الضجيج الشعبوي لرأب الصدع وترميم الجسور التي تحاول العقول الراديكالية هدمها.
إن إصرار بيئة الحزب على تصوير كل موقف سيادي للرئيس عون كأنه استهداف لمكون طائفي، هو هروب مكشوف إلى الأمام ومحاولة لشد العصب عبر تزييف الحقائق؛ فالرئيس لا يستهدف طائفة، بل يسعى لاستعادة “دولة” ضاعت هيبتها في زواريب المصالح غير الشرعية. وفي المقابل، تأتي زيارة الرئيس بري إلى بعبدا ووصفه اللقاء بـ “الممتاز” لتشكل إدانة ضمنية لتلك الأصوات الموتورة، وتأكيداً على أن مرجعية “الطائفة” الحقيقية ترفض الانجرار إلى صدام مع مقام الرئاسة، وتفضل منطق الحوار والمؤسسات على منطق “الشارع والتهديد”. لقد أثبت بري مرة أخرى أنه يجيد قراءة المصلحة الوطنية ببراعة “رجل الدولة”، في حين لا تزال بيئة الحزب أسيرة خطاب خشبي يعادي كل من يجرؤ على المطالبة بسيادة القانون.

