يا شيخ نعيم رُدّ.. أو اشرح لنا لماذا لا تفعل؟!

الشيخ نعيم قاسم

يا شيخ نعيم،
الجنوب يُقصف،لا يحتاج الأمر إلى نشرة أخبار ولا إلى خريطة.
الجنوب يُقصف منذ عامٍ كامل، بتواترٍ يكفي لإسقاط أي خطاب، وباستمراريةٍ تكفي لتحويل البلاغة إلى عبء،ومع ذلك، ما زلتَ تصرّ على الظهور لتشرح لنا، بهدوء الخبير، لماذا لا ينبغي أن نطلب منك ما تقوله عن نفسك منذ سنة : الرد.
أنت لا تنكر القصف لكنك تُنكره لغوياً،تُحيله إلى (سياق)إلى (مرحلة) إلى (تقدير موقف)، الجنوب عندك ليس مكاناً، بل ظرفاً نحوياً، يُستعمل لتبرير الجملة التالية:القرى تُقصف، البيوت تُهدم، الناس تنزح.
وأنت تردّ عليهم بمحاضرة عن فائض القوة، كأن القوة فكرة فلسفية لا علاقة لها بالنتائج.

أين السلاح المقدس؟
يا شيخ نعيم،
أنت رجلٌ استثنائي،تملك سلاحاً يقول عنه خصومك إنه خطير، ويقول عنه أنصارك إنه مقدّس، لكنك الوحيد الذي ينجح في جعله غير مرئي.
سلاحٌ حاضر في كل خطاب، غائب عن كل امتحان،سلاحٌ يظهر فوراً عندما يتكلّم لبناني، ويختفي كلما قصفت إسرائيل، حقا ان تلك موهبة نادرة، تستحق دراسة مستقلة في علوم الخطابة السياسية.
في آخر إطلالاتك، هدّدت اللبنانيين بحرب أهلية إن فكّروا بسحب السلاح، لم تقل لهم إن العدو خطر، بل إن السؤال خطر.
لم تقل إن القصف جريمة، بل إن النقاش خيانة. وهنا تبلغ السخرية كمالها: قائد (مقاومة)يخيف شعبه أكثر مما يخيف خصمه، ويعتبر الداخل ساحة جاهزة، والخارج ملفاً مؤجّلاً.

الجنوب لا يطلب معجزة،يطلب فقط أن يتوقف عن كونه المثال النظري في خطابك

تمرين علمي عن فائدة السلاح
نقترح عليك يا شيخ نعيم، تمريناً بسيطاً في المنطق :
إن كان السلاح يحمي، فليحمي وإن كان يردع، فليردع وإن كان للكرامة، فلتظهر الكرامة في مكان فقدها الناس فعلياً، لا في الخطب المسجّلة.
أما إن كان كل ذلك مؤجلاً، فصارح الناس،قل لهم إن السلاح فكرة جميلة، لكنها غير صالحة للاستخدام حالياً، مثل دستور لا يُطبّق أو وعد انتخابي قديم.
الجنوب لا يطلب معجزة،يطلب فقط أن يتوقف عن كونه المثال النظري في خطابك. منذ عام، وهو يُقصف باسم (المعادلة) ويُنزَح باسم (المرحلة) ويُترك باسم (الحكمة) وأنت، بكل ثقة، تشرح لهم أن الصبر بطولة، وأن الخسارة تفصيل، وأن الردّ مسألة توقيت إلهي لا يجوز السؤال عنها.
المفارقة المؤلمة – والمضحكة في آن – أن الأصوات بدأت تعلو من حيث لم تكن تتوقع ،من الجنوب نفسه،من بيئة اعتادت التصفيق لا السؤال.

حتى الحلفاء بدأوا يتحدثون عن مأزق، وأنت ما زلت تتحدث عن نظرية

هناك، لم يعد الخطاب يُستهلك كما كان،فالناس تريد نتيجة، لا شرح نتيجة،تريد فعلاً، لا قاموساً لغوياً لتبرير غيابه.
حتى الحلفاء بدأوا يتحدثون عن مأزق، وأنت ما زلت تتحدث عن نظرية.

خيار..ام فشل استراتيجي؟
يا شيخ نعيم،
إن كنت لا تريد الرد، فهذا خيار سياسي،وإن كنت لا تستطيع الرد، فهذا فشل استراتيجي،أما أن تواصل الظهور لتشرح لماذا يجب على الناس أن يتحمّلوا القصف بصمت، فهذا ليس مقاومة، بل كوميديا سياسية سوداء.
نحن لا نطلب منك المستحيل،نطلب فقط انسجاماً بسيطاً بين الخطاب والواقع،فإن كنتَ خطيباً، فقل إنك خطيب، وإن كنتَ قائداً، فافعل.
أما أن تبقى معلّقاً بين السماء والأرض، تلوّح بسلاح لا يُستعمل، وتهدد بشعب لا يريد حرباً، وتشرح كرامة لا يراها أحد فذلك، يا نعيم، يجعل منك مادة هجاء لا أكثر.
والهجاء، كما تعلم، لا يرحم من يأخذ نفسه على محمل الجد أكثر مما يحتمل الواقع…

السابق
بالفيديو: التصعيد يتوسع.. غارات على 4 معابر حدودية وتجمع تضامني في بيروت
التالي
حافظ منذر الأسد… «ابن العم» الذي يلاحقه ملفّ الساحل والتهريب يظهر في بيروت