مصير «حزب الله» بين السلاح والسياسة: شراء الوقت في لحظة التحوّل الإقليمي

ايران وحزب الله

تحتاج المعلومات المتصلة بمصير “حزب الله” الى تحديث مستمر. واتت الاحداث الجديدة في ايران المتصلة بحركة الاحتجاج الشعبي هناك بدءا من 28 كانون الأول الماضي لتؤكد هذا النهج. واصبح ثابتا ان النظام الإيراني وتاليا كل اذرعه الخارجية وفي مقدمها “حزب الله” قبل هذه الحركة التي توصف بانها على غرار ما جرى عام 2009 او ما سميّ ب”الثورة الخضراء”، لن يكونوا كما هم اليوم بعد انطلاقتها وما تلوح لها من آفاق.

معطيات سياسية قبل التقييم

أملت هذه المقدمة معلومات عمرها أيام مستقاة من أوساط سياسية ذات صلة بالحكم على مستوى الرئاسات الثلاث، ومفادها ان “حزب الله” بدعم من النظام الإيراني يعمل على تثبيت وجوده في مواجهة مشروع الاقتلاع الذي تتولى تنفيذه إسرائيل بضوء اخضر أميركي وبمباركة داخلية وعربية ودولية. فما هي هذه المعلومات التي من المفيد عرضها قبل الذهاب الى تقييمها؟

يقدّر أصحاب هذه المعلومات ان “حزب الله” يتصرف في موضوع السلاح على أساس انه غير قادر على الاحتفاظ به اذا ما حان أوان نزعه بالقوة الإسرائيلية المؤيدة اميركيا وداخليا وعربيا ودوليا. لكنه يحاول، حتى يحين أوان سقوط السلاح، تركيز واقعه السياسي في الداخل اللبناني بما يجعله بمنأى عن ان ينتهي كليا كمشروع يمثل الجمهورية الإسلامية على كل المستويات وليس المستوى العسكري فقط.

الانتخابات النيابية: «خشبة الخلاص» المؤقّتة

وفي الطريق الى مرحلة ما بعد السلاح، يقترب استحقاق الانتخابات النيابية الذي يعتبره “حزب الله”، كما المح الى ذلك قبل أيام نائب الحزب حسن فضل الله، بمثابة “خشبة خلاص” يثبت مشروعيته السياسية لفترة أعوام مقبلة تمكنه من اجتياز مرحلة العواصف الإقليمية والدولية التي هي الان في أشد المراحل عتواً.

وتقدّر المعلومات ان الانتخابات النيابية إذا ما جرت هذه السنة فستؤدي في نتائجها الى تكرار نتائج انتخابات عام 2022 من حيث سيطرة ثنائي “أمل” و”حزب الله” على كامل المقاعد الشيعية الـ27 في البرلمان، او ما يقارب هذه النتيجة. أما إذا أُرجئت الانتخابات النيابية الى العام المقبل، فإن النتائج ستظهر تراجع نفوذ الثنائي وتحديدا “حزب الله” الذي يشهد عمليات عسكرية إسرائيلية ضده من دون توقف، ويعيش الان حالة ذهول للتحولات الجارية في ايران، فضلا عن تراجع قدراته المالية التي هي المعوّل عليها أولا وأخيرا بعد تلاشي قدرات الحزب على سائر المستويات الأخرى.

يقترب استحقاق الانتخابات النيابية الذي يعتبره “حزب الله”، بمثابة “خشبة خلاص” يثبت مشروعيته السياسية لفترة أعوام مقبلة

الضائقة المالية: مؤشرات من الداخل

ونتوقف عند الموضوع المالي في واقع “حزب الله” الراهن، فنشير أولا الى ما أوردته وسائل اعلام محلية اليوم، فنقلت عن احد المستفيدين المقيمين في الضاحية الجنوبية لبيروت، انه لم يتلقَّ أخيرا أي إجابة على موعد صرف تعويضات بدل الإيواء للسنة الثانية من «حزب الله». وأبلغه المسؤول عن التعويضات بأنه «حتى الآن لا موعد محدداً لصرف التعويضات»، وأنه «حين تجهز الدفعة، سنبلغك هاتفياً».

لم يكشف المسؤول عن الأسباب التي حالت، حتى الوقت الراهن، دون صرف تعويضات بدل الإيواء المحددة بـ4800 دولار سنوياً، كبدل إيواء عن كل وحدة سكنية دُمرت خلال الحرب، وترك هذا الغموض آلاف الأسر من سكان الضاحية في حيرة، ما يكرر الأسئلة على لسان السكان: «هل سيوقف (حزب الله) الدفعات أم أنها ستتأخر فقط؟»، و«هل التأخير ناتج عن أزمة مالية، أم عن أسباب تقنية؟».

الاقتصاد الموازي: قراءة إسرائيلية للمعركة الحاسمة

في موازاة ذلك، نشرت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية امس تقريرا تحت عنوان “لحكومة عون: إذا أردتم مستقبلاً إقليمياً فحاربوا “حزب الله” مالياً”، وجاء فيه: “بينما يتركز الخطاب الجماهيري على المواجهة العسكرية مع “حزب الله”، فالساحة التي سيحسم فيها مصير التنظيم ليست ميدان المعركة بل الاقتصاد بالذات.

ورغم الضربات التي تلقاها “حزب الله” فإنه بعيد عن أن يكون محيداً. قوته الحقيقية اليوم تكمن في قدرته على تفعيل منظومة مالية موازية تسمح له بتأدية دوره كـ “دولة داخل دولة” في قلب لبنان المنهار.

وعلى مدى أكثر من عقدين، بنى “حزب الله” شبكات مالية تغطي القارات المختلفة، من تبييض الأموال ومسارات تهريب المخدرات في أميركا الجنوبية، عبر آليات لتجاوز العقوبات في فنزويلا، وحتى منظومة اقتصادية بديلة داخل لبنان نفسه.

في قلب المنظومة المالية اللبنانية مؤسسة “القرض الحسن”، جسم يشبه البنك يعمل خارج رقابة الدولة ويمنح القروض والمساعدات الاجتماعية والسيولة النقدية. لكن في السنوات الأخيرة، أضيف إلى هذا الجهاز عنصر حرج آخر: منصات تكنولوجية مالية قانونية ظاهراً، وعلى رأسها Whish money. مع فقدان الثقة بالبنوك، أصبحت هذه المنصة تعمل برخصة لبنانية وتعرض محافظ رقمية وشبكة واسعة من وكلاء تحويل الأموال، لتغدو محوراً مركزياً في الاقتصاد النقدي اللبناني.

إن الدمج بين “القرض الحسن” و Whish money وجهات مالية غير رسمية أخرى، خلق “اقتصاد ظلال” فاعلاً: منظومة تحافظ على السيولة، وتسمح بتحويل سريع للأموال، وتتجاوز اللوائح وتبطل نجاعة العقوبات الدولية. هذه ليست بنية لتمويل الإرهاب، بل منظومة مالية موازية تندمج في الإدارة المالية للدولة وتقوض سيادتها”.

على مدى أكثر من عقدين، بنى “حزب الله” شبكات مالية تغطي القارات المختلفة، من تبييض الأموال ومسارات تهريب المخدرات في أميركا الجنوبية، عبر آليات لتجاوز العقوبات

حقائب مطار بيروت: إشارات إضافية

وفي السياق نفسه، تناقلت وسائل اعلام محلية أخيرا نبأ حول منع السلطات الأمنية والجمركية المولجة بتفتيش الحقائب في مطار رفيق الحريري الدولي إدخال أربعة حقائب للوفد الإيراني برئاسة وزير الخارجية عباس عراقجي خلال زيارته قبل أيام إلى بيروت. وعُلم أنّ الوفد لم يكن لديه أي تصريح حول هذه الحقائب بخلاف الحقائب الأخرى التي كانت لديهم تصاريح بشأن محتوياتها وتعتبر حقائب ديبلوماسية ولديها حصانة، ولم يقبل حاملوها من الوفد بفتحها أمام الجهات الامنية للكشف عليها، معللين ذلك بأنها أوراق تخص السفارة الإيرانية.

يستفاد من المعطيات المتصلة بالواقع المالي لـ”حزب الله” انه دخل في مسار تراجعي في هذا المضمار، ما يعني ان الحزب يسعى بكل ما اوتي من قدرات الى شراء الوقت، لعله يستفيد من ظروف جديدة كما حصل سابقا في عقود خلت.

تثبيت سياسي في زمن فقدان السلاح؟

ماذا نستطيع ان نفهم من المعلومات الواردة آنفا حول سعي “حزب الله” الى تثبيت اقدامه سياسيا عندما يفقد سلاحه الذي يتشبث به حاليا؟ لا بد من قبيل الحيطة عدم اسقاط هذا التوجه، ولو ان القناعة شبه راسخة بان “حزب الله” قام على أساس السلاح ولا بقاء له من دون السلاح.

وفي أي حال، وكما يفكر “حزب الله” في تجديد مشروعيته في الانتخابات النيابية المقبلة هذه السنة، هناك من يعمل كي لا يبلغ “حزب الله” مبتغاه هذا. ونستطيع الان ان نفهم ما رمت اليه معلومات سابقة اشارت الى سعي لتمديد ولاية مجلس النواب الحالي لمدة عامين إضافيين، على ان تجرى الانتخابات المقبلة عام 2028، والغاية هي وفق هذه المعلومات ان “حزب الله” سيكون بعد عامين من الان في ذمة الله؟

السابق
نجل الشاه يجزم:سقوط الجمهورية الإسلامية قادم… وزيارة سرّية لمدير الموساد إلى واشنطن!
التالي
استهداف إسرائيلي بطائرة مسيّرة وإطلاق نار على موقع لليونيفيل جنوباً!