بينما تفرض السلطات الإيرانية تعتيماً شبه كامل على الاتصالات في بلد تهزّه احتجاجات جماهيرية واسعة، تشير مقاطع فيديو وشهادات شهود عيان تتسرّب ببطء إلى أن الحكومة تشنّ واحدة من أكثر حملات القمع دمويةً ضد الاضطرابات منذ أكثر من عقد، ذهب ضحيتها رقم هائل تشير معلومات متقاطعة إنه وصل إلى 12 ألف قتيل على الأقل.
ويقول شهود إن قوات حكومية بدأت بإطلاق النار، على ما يبدو باستخدام أسلحة آلية، وأحياناً بصورة تبدو عشوائية، على متظاهرين غير مسلحين. ويقول عاملون في المستشفيات إن المتظاهرين كانوا يصلون في السابق بإصابات ناجمة عن طلقات خرز، لكنهم باتوا يصلون الآن مصابين بطلقات نارية وكسور في الجمجمة. ووصف أحد الأطباء الأمر بأنه «حالة إصابات جماعية».
صفوفٌ وصفوفٌ من أكياس الجثث
وعلى الرغم من حصار الإتصالات، خرجت من إيران صورة متكررة: صفوفٌ وصفوفٌ من أكياس الجثث.
في مقاطع فيديو رفعها ناشطون معارضون على مواقع التواصل، يمكن رؤية عائلاتٍ تنتحب وهي تنحني متلاصقة فوق جثثٍ مضرجة بالدماء داخل أكياس مفتوحة السحّاب. وفي لقطات بثّها التلفزيون الرسمي الإيراني، يقف مسؤولٌ في المشرحة مرتدياً ملابس طبية زرقاء، وسط أكياسٍ مصطفّة بعناية على أرضية غرفة بيضاء، تحت أضواء فلورية ساطعة.
وقال مسؤولٌ رفيع في وزارة الصحة الإيرانية، تحدّث شريطة عدم الكشف عن هويته، لصحيفة «نيويورك تايمز» إن نحو 3,000 شخص قُتلوا في أنحاء البلاد، لكنه حاول إلقاء اللوم على «إرهابيين» يؤجّجون الاضطرابات. وأضاف أن الرقم يشمل مئات من عناصر الأجهزة الأمنية.
وقال مسؤولٌ حكومي آخر، تحدث أيضاً شريطة عدم الكشف عن هويته للصحيفة عينها، إنه اطّلع على تقريرٍ داخلي أشار إلى ما لا يقل عن 3,000 قتيل، مضيفاً أن الحصيلة قد ترتفع.
وإذا تأكد ذلك، فستكون أعمال العنف من بين الأسوأ في التاريخ الإيراني الحديث.
قبلها، كشف مسؤول إيراني لوكالة «رويترز» اليوم الثلاثاء إن نحو 2000 شخص قُتلوا، محمّلاً «إرهابيين» مسؤولية سقوط قتلى من المدنيين وأفراد الأمن، في وقتٍ تواصل فيه طهران الامتناع عن نشر حصيلة رسمية شاملة.
إحصاء أخطر: 12000 قتيل؟
موقع «إيران إنترناشونال» المعارض نشر إحصائية أخطر من ذلك، وقال إنه استقاها من مصدر مُقرّب من المجلس الأعلى للأمن القومي، مصدران في مكتب الرئاسة، روايات من مصادر متعددة داخل الحرس الثوري الإسلامي في مدن مشهد وكرمانشاه وأصفهان، شهادات من شهود عيان وعائلات القتلى، تقارير ميدانية، بيانات مرتبطة بالمراكز الطبية ومعلومات من أطباء وممرضين في مدن مختلفة.
أيضا، نقلت شبكة «CBS NEWS» أن المعلومات التي وردت من إيران يوم الثلاثاء تشير إلى أن حملة القمع التي شنتها السلطات كانت على الأرجح أكثر دموية بكثير مما أفاد به النشطاء خارج البلاد. ومع إعادة فتح خطوط الهاتف لاستقبال المكالمات من داخل الجمهورية الإسلامية، أفاد مصدران، أحدهما من داخل إيران، للشبكة يوم الثلاثاء، بمقتل ما لا يقل عن 12 ألف شخص، وربما يصل العدد إلى 20 ألفًا.
ماذا تقول إحصائية «إيران إنترناشونال»؟
- في أكبر عملية قتل في تاريخ إيران المعاصر، والتي نُفذت على مدى ليلتين متتاليتين، الخميس والجمعة 8 و9 يناير/كانون الثاني، قُتل ما لا يقل عن 12 ألف شخص
- من حيث النطاق الجغرافي، وشدة العنف، وعدد القتلى في فترة زمنية قصيرة، تُعد هذه العملية غير مسبوقة في تاريخ إيران
- بناءً على المعلومات الواردة، قُتل معظم القتلى برصاص قوات الحرس الثوري الإسلامي وقوات الباسيج. كانت هذه العملية مُنظمة بالكامل، وليست نتيجة اشتباكات «متفرقة» أو «غير مُخطط لها»
- تشير المعلومات الواردة من المجلس الأعلى للأمن القومي والرئاسة إلى أن عملية القتل نُفذت بأمر مباشر من المرشد الأعلى علي خامنئي، وبعلم وموافقة صريحة من رؤساء السلطات الثلاث، وبأمر من المجلس الأعلى للأمن القومي باستخدام الذخيرة الحية
- كان العديد من القتلى من الشباب دون سن الثلاثين
إلا أن الموقع قال في الوقت عينه: «من الواضح أنه في ظل الحصار المفروض على الاتصالات وانعدام الوصول المباشر إلى المعلومات، فإن تأكيد الرقم النهائي يتطلب توثيقًا إضافيًا ومفصلًا».
قناصة النظام على الأسطح
إلى ذلك، تحدث شهود لصحيفة «نيويورك تايمز» عن رؤية قناصة متمركزين على أسطح مبانٍ في وسط طهران يطلقون النار على الحشود، وعن احتجاجات سلمية تتحول فجأةً إلى مشاهد فوضى وذعر مع اختراق الرصاص لرؤوس الناس وصدورهم وسقوط الأجساد على الأرض، وعن قسم طوارئ عالج 19 مصاباً بطلقات نارية خلال ساعة واحدة.
وقالت إحدى المتظاهرات، ياسي: «النظام في موجة قتل». وقد طلبت، مثل غيرها من الإيرانيين الذين قابلتهم صحيفة «نيويورك تايمز»، عدم ذكر اسمها كاملاً لأسبابٍ أمنية.
وصرّحت ياسي، وهي في الثلاثينيات من عمرها وتعمل في شركة نشر، إنها كانت تسير مساء الجمعة الفائت مع أصدقاء على طول شارع أندرزغو في طهران حين اقتحمت قوات الأمن المكان وأطلقت النار على فتىً مراهق فأصابته في ساقه بينما كانت أمه تنظر.
وأضافت ياسي أن المرأة صاحت: «ابني! ابني! لقد أطلقوا النار على ابني!».
وأظهرت مقاطع فيديو نُشرت على مواقع التواصل مساء الاثنين وتحققت «نيويورك تايمز» من صحتها، حشداً كبيراً من المتظاهرين في طهران. وكان يُسمع صوت إطلاق نار، وصيحة: «الموت للديكتاتور!».
وخلال الأيام الخمسة الماضية، قطعت السلطات الإيرانية الإنترنت وخطوط الهاتف الدولية، وأحياناً حتى اتصالات الهواتف المحمولة المحلية. وقد ترك ذلك منظمات حقوقية وصحافيين وعائلاتٍ على السواء يكافحون لفهم حجم ما حدث.
لكن المقاطع التي تتسرب من البلاد ورسائل بعض الإيرانيين الذين ينجحون أحياناً في الاتصال عبر الإنترنت الفضائي ترسم صورةً مدمّرة لسفك الدماء.
«حمّام دم»
وقال سعيد، وهو رجل أعمال في طهران، لصحيفة «نيويورك تايمز»: «تمكنت من الاتصال لدقائق فقط لأقول إن الأمر هنا حمّام دم». وأضاف أنه كان يستخدم اتصال «ستارلينك» في وقت متأخر من مساء الأحد.
وعندما اندلعت احتجاجات على تدهور الاقتصاد الإيراني في سوق طهران يوم 28 كانون الأول/ديسمبر، نزل سعيد إلى الشوارع لينضم إليها. وقال إنه فعل الأمر نفسه خلال حركة احتجاج 2022 وما سبقها.
لكن مع انزلاق إيران إلى عزلة أعمق، أصبح واضحاً أكثر فأكثر، على حد قوله، أن هذه الحملة «لا تشبه أيّاً من الاحتجاجات التي سبقتها».
وقال في رسائل صوتية مسجلة للصحيفة: «رأيتُ بنفسي شاباً يُطلق عليه الرصاص في الرأس. وشاهدتُ شخصاً أصيب برصاصة في الركبة. سقط الرجل على الأرض فاقداً الوعي، ثم تجمعت قوات الأمن فوقه».
وقبل أسبوعين، عندما أدى انخفاض حاد في قيمة العملة إلى خروج محتجين إلى الشوارع، أقرّ مسؤولون بأن شكاواهم مشروعة، مع تحذيرهم المحتجين من الانجرار وراء «مثيري الشغب».
رواية النظام
لكن خلال الأسبوع الماضي، اتسعت التظاهرات الأصغر في أسواق المدن والجامعات لتتحول إلى حركة شعبية أوسع، مع حشودٍ تملأ ساحات المدن الكبرى ومراكز البلدات الريفية على حد سواء. وبدأ مسؤولون إيرانيون يتحدثون الآن عن أن هذه الاحتجاجات باتت تحت سيطرة «إرهابيين» وعملاء أجانب موالين لأعداء إيران، الولايات المتحدة وإسرائيل.
وقال المدعي العام الإيراني غلام حسين محسني إيجئي في اجتماع لمجلس القضاء الأعلى يوم الاثنين، وفقاً لوكالة «تسنيم» شبه الرسمية: «اتخذوا إجراءات حازمة وفعالة للثأر للشهداء ولمن قُتلوا».
وفي إشارة إلى حجم الحملة، اتخذت الحكومة خطوة غير معتادة بالاعتراف بوقوع أعداد كبيرة من الضحايا، لكنها سعت إلى تصوير الضحايا على أنهم في الأساس من أفراد القوات الأمنية.
وقال تسعة من سكان طهران، إلى جانب طبيبين وممرضة يعملون في مستشفيات حكومية، إنهم شهدوا تشدد الحكومة ميدانياً.
وقال اثنان في مقابلات إنهما شاهدا قناصة يطلقون النار على الحشود في منطقتي ستارخان و«باسفاران/باسداران» في طهران، بينما روى آخر أن عنصراً أمنياً في منطقة أقدسية كان يطلق النار عشوائياً على الحشد أثناء مروره بسيارته.
كذلك كشف أحد سكان طهران، ذهب مع زوجته إلى ستارخان مساء السبت، إنه شاهد قوات الأمن تفتح وابلاً من الرصاص من رشاشات على تجمع من الشبان والشابات، فسقطوا أرضاً متراكبين فوق بعضهم البعض.
وفي مستشفى نيكان شمال طهران، قالت ممرضة إن الطواقم الطبية غمرتها أعداد المصابين عندما وصل 19 مصاباً بطلقات نارية تقريباً دفعة واحدة. وفي مستشفى شهداء في حي تجريش بطهران، قال طبيب إن كثيراً من المتظاهرين الذين نُقلوا إليه أُعلنوا موتى عند وصولهم، وإن كثيرين أُطلق عليهم الرصاص من مسافة قريبة في الرأس والرقبة والرئتين والقلب.
وأصدر «مركز حقوق الإنسان في إيران»، ومقره نيويورك، يوم الاثنين شهادة لطبيب كان يعالج مرضى في طهران وأصفهان منذ بدء الحملة. وحجب المركز اسم الطبيب لأسباب أمنية.
وقال الطبيب إنه في المراحل الأولى للاحتجاجات كان المتظاهرون يُعالجون من آثار الغاز المسيل للدموع وإصابات بنادق الخرز. ثم يوم الخميس، قال إنه بدأ يسمع إطلاق نار كثيف من رشاشات ثقيلة من داخل المستشفى.
وأضاف الطبيب في شهادته: «كانت هذه حالة إصابات جماعية. كانت مرافقنا ومساحتنا وطاقمنا أقل بكثير من عدد الجرحى الذين كانوا يصلون. حالات الصدمة التي رأيتها كانت وحشية، إطلاق نار بقصد القتل».
«إذا تعافوا يعتقلونهم» ومن ثم تأتي «الاعترافات»
وقال المدير التنفيذي لمركز حقوق الإنسان في إيران، هادي غائمي، إن فريقه جمع روايات من كرج غرب طهران وكرمانشاه غرب إيران تفيد بأن قوات الأمن سيطرت على مستشفيات وعيادات، وكانت تبحث عن المحتجين الجرحى وتجمع معلوماتهم الشخصية.
ووصف سعيد، رجل الأعمال الطهراني، تجربة مشابهة في العاصمة.
وقال: «ينقلون المحتجين المصابين إلى المستشفى، وإذا تعافوا يعتقلونهم». وأضاف: «وإذا وصلت عائلاتهم يحاولون بطريقة ما مساعدتهم على الهرب. والعائلات التي تأتي لتسلّم جثامين القتلى تُجبر على اعترافات مهينة: عليهم أن يقولوا إن الإرهابيين هم من قتلوهم».
وقال ناشطون في منظمة حقوقية إيرانية مقرها واشنطن تُعرف باسم HRANA إنهم جمعوا تقارير من مستشفيات تشير إلى أن مسؤولين أمنيين كانوا في بعض الحالات يحتجزون محتجين حتى قبل علاج جروحهم.
وصرحت سكايْلَر تومبسون، نائبة مدير HRANA، إن حصيلة القتلى لدى منظمتها قفزت على دفعات خلال اليومين الماضيين، مع تمكن أشخاص بشكل متقطع من الاتصال بالإنترنت ومشاركة ما عرفوه.
ففي يوم السبت، كانت المنظمة تقدّر الحصيلة بـ70 قتيلاً. وبحلول صباح الاثنين، ارتفع العدد إلى 572 متظاهراً و69 من أفراد القوات الأمنية قُتلوا. وقالت تومبسون إن الأرجح أن تشهد الحصيلة قفزة أخرى بعد أن تنتهي المنظمة من التحقق من 500 حالة أخرى.
وقال غائمي إن مركز حقوق الإنسان اختار عدم نشر حصيلة، لأنه لم يتمكن من الاتصال بعدد كافٍ من الأشخاص لاتباع إجراءاته المعتادة في توثيق روايات نشطاء حقوقيين محليين ومقارنتها بروايات عائلات الضحايا.
وأضاف في مقابلة: «لا يمكننا تأكيد أرقام تفصيلية، لكن كل المؤشرات حتى الآن تشير إلى عمليات قتل واسعة النطاق خلال الأيام القليلة الماضية. نقدّر ما لا يقل عن 1,000 وفاة على مستوى البلاد وربما أكثر. لكن المعلومات الحالية ليست سوى رأس جبل الجليد».
ويبقى السؤال ما إذا كانت الحملة العنيفة ستنجح في ترهيب المحتجين وإسكاتهم. فقد ظهرت يوم الاثنين مقاطع أقل عن الاضطرابات مقارنة بالأيام السابقة. لكن سعيد أصرّ على أن القتل لن يوقف المحتجين.
وقال: «الناس لم يعودوا خائفين بعد الآن».

