حين رقصت شمس بعلبك… رقص لبنان كلّه

دبكه

في زمنٍ أثقلته الانقسامات والتجاهل، خرج الفرح من حيث لا يتوقّعه كثيرون، لا كخبرٍ عابر ولا كلقطةٍ عاطفية، بل كحقيقةٍ نابضة على شاشةٍ قرّرت أن تكون جامعة لا مُجزِّئة، حاضنة لا مُقصية.

وطنية اللغة الشعبية

عبر برنامج يلا ندبك دبكة، فعلت MTV ما عجزت عنه السياسة، وما قصّرت فيه المنابر التقليدية، فجمعت لبنان على إيقاع الدبكة، وأعادت الاعتبار للهوية الشعبية بوصفها لغةً وطنية تفهمها القلوب قبل العقول.
وفي تلك اللحظة، لم تكن بعلبك ضيفةً على الشاشة، بل كانت قلب المشهد، تنبض، تفرح، وتقول: نحن هنا.
لطالما وُضِعت بعلبك في خانة البعيد، المختلف، المهمَل، وكأنها خارج الجغرافيا اللبنانية أو خارج الضوء.

مدينةٌ حُمّلت أكثر مما تحتمل، وغُيّبت عن الإعلام والإنماء، رغم أنها تختزن من الجمال والتراث والناس الطيبين ما يكفي ليملأ الشاشات والساحات،فجاء هذا البرنامج ليكسر القالب، وليفتح نافذةً صادقة على بعلبك الحقيقية، لا تلك المرسومة في الخيال أو المشوّهة في الخطاب، بل بعلبك الفرح، الكرامة، والتاريخ الحي.

فرقة شمس بعلبك..اعلان هوية

مشاركة فرقة شمس بعلبك لم تكن مجرّد ظهورٍ فني، بل كانت إعلان هوية.
على الخشبة، التقت الأجيال،عمداء الدبكة الذين حفظوا الخطوة والإيقاع كما تُحفَظ الوصايا، وشبابٌ يحملون النار نفسها في أرجلهم وقلوبهم.

عرضٌ لم يُقدَّم ليُرضي العين فقط، بل ليُقنع الروح أن الدبكة ليست فلكلورًا جامدًا، بل دمٌ يسري في العروق، وجيناتُ انتماء، خصوصًا عند عائلاتٍ عرفت الأرض والرقصة معًا، فصارت الخطوة امتدادًا للتاريخ، لا مجرّد حركة.

هنا، أضاءت MTV على المعنى الأعمق للفن الشعبي، وقدّمته كما يجب أن يُقدَّم،مساحة لقاء، لا ساحة تنافس أعمى،احتضانٌ راقٍ، وحرصٌ واضح على أن يكون البرنامج مساحة جامعة، تحترم التنوّع، وتُعلي قيمة التراث، وتمنح كل منطقة حقها في أن تُرى وتُسمَع وتُفرَح. فبدت الشاشة كأنها ساحة دبكة كبرى، اجتمع فيها الجنوب والشمال والبقاع وبعلبك، بلا حواجز، بلا أحكام مسبقة، فقط على إيقاع واحد.

وحين شاهد الناس فرقة شمس بعلبك تؤدي، لم يشاهدوا فرقة فحسب، بل رأوا مدينةً كاملة ترقص.
رأوا شعبًا يحب الحياة رغم كل شيء، يتمسّك بتراثه كوسيلة بقاء، ويقدّمه بفخر لا باستجداء.
رأوا جمال بعلبك، خفّتها، ودفء ناسها، بعيدًا عن القسوة التي أُلصقت بها ظلمًا،كانت تلك لحظة تصالح بين الصورة والحقيقة، بين الشاشة والناس.

اعلام صادق يعيد بتاء الوعي

ما فعلته MTV هنا ليس تفصيلًا إعلاميًا، بل فعل وطني بامتياز،لأن الإعلام، حين يكون صادقًا، قادر على أن يُعيد رسم الوعي، وأن يفتح مساحات فرح حيث طال الإهمال. وشمس بعلبك، بما قدّمته، لم تُنر خشبة المسرح فقط، بل أنارت فكرة أن التراث إذا وُضع في المكان الصحيح، يصبح قوة، ويصبح لغة جامعة، ويصبح سببًا لنقف… ونقفز فرحًا.

السابق
رد ناري من «الوفاء للمقاومة»: رجي يتصرف كعضو في «مجلس حربي» لا كوزير في الحكومة اللبنانية
التالي
فيديو من جنوب لبنان: قصف إسرائيلي على سيارة بصاروخين في جويّا