المناضل السياسيّ الفلسطينيّ المقدسيّ صلاح حمّوري كان معتقلاً سياسيًّا، لأكثر من عقدٍ من الزمن، في السجون الإسرائيليّة. وبعد خروجه من المعتقل، قام بتوثيق يوميّات اعتقاله، التي كتبها باللغة الفرنسيّة. ثمّ نقلتها المترجمة الدكتورة رلى ذبيان، من الفرنسيّة إلى اللغة العربيّة، حيث صدرت، حديثًا، الطبعة العربيّة الأولى لهذه اليوميّات في العام 2025، عن «دار الفارابي» في بيروت، تحت عنوان: «أسيرٌ من القدس (يوميّات معتقَلٍ سياسيّ في فلسطين المحتلّة)».
وكتاب «أسير من القدس» ما هو إلّا يوميّاتُ اعتقالِ مناضلٍ سياسيٍّ عنيدٍ، بالفعل والقول معًا، في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
السجن بوصفه معركة إرادة لا هزيمة
إذ إنّ هذا العناد الذي اتّصفت به نضاليّة حمّوري هو، وكما تتجلّى مقوّماته في هذه اليوميّات، عنادٌ مليءٌ بالتحدّي والصمود، بالرغم من شدّة قسوة التعذيب النفسيّ والتعذيب الجسديّ اللذين تعرّض لهما حمّوري ورفاقه في السجون الإسرائيليّة. وهذان التعذيبان تمثّلا بالتحقيقات والاعتقالات التي استُهدفوا بها، من ناحيةٍ أولى، وبالترحيلات التي تمثّلت، من ناحيةٍ ثانية، في نقلهم، من وقتٍ إلى آخر، إلى أكثر من سجنٍ ومعتقل داخل فلسطين المحتلّة.
ذلك أنّ التحقيقات والاعتقالات والترحيلات كانت كلّها مصمَّمةً بهدف تدمير الأسرى تدميرًا سيكولوجيًّا، بحيث يصبحون، عندما يُفرج عنهم، مطواعين، لا يجدون حرجًا في التخلّي عن النضال نصرةً لحقوقهم. لكنّ حسابات السجّانين هذه كانت ولا تزال حساباتٍ سيّئةً جدًّا، لشدّة ما كانوا مخطئين فيها. فبالنسبة إليّ، كما بالنسبة إلى العديد من رفاقي، أصبح لي السجن تحدّيًا: فكلّما حاولوا إخضاعي، استجمعتُ قواي وركّزتها، وبقيتُ وفيًّا لقناعاتي لا أبدّلها. وباعتمادي هذه الرياضة في التحكّم بنفسي، كنتُ، وفي كلّ مرّةٍ أخرجُ فيها من هذا المعتقل أو ذاك، أجدني وقد ازددتُ قوّةً وشكيمةً، وصرتُ أشدّ عزمًا على المضيّ في المقاومة. (ص 25)
الترحيل القسري: حين يُستكمل العقاب خارج الزنزانة
وحدث أن ختمت السلطات الإسرائيليّة سنوات سجن حمّوري المديدة بترحيله الإجباريّ إلى فرنسا.
وُلد صلاح حمّوري عام 1985 في القدس، وهو فلسطينيٌّ يحمل الجنسيّة الفرنسيّة. قضى أكثر من عشر سنواتٍ في السجون الإسرائيليّة، حيث أُدين ظلمًا بدايةً من قبل محكمةٍ عسكريّة، ثمّ اعتُقل، لاحقًا، تحت نظام الاعتقال الإداريّ (من دون توجيه تهمةٍ أو محاكمة). وفي ديسمبر/ كانون الأوّل 2022، وقّعت الحكومة الإسرائيليّة أمر ترحيله إلى فرنسا، في سابقةٍ مثيرةٍ للقلق. وفي سرديّةٍ مؤثّرةٍ، يروي حمّوري في هذا الكتاب حياةَ الأسرى الفلسطينيّين في السجون الإسرائيليّة، ويؤكّد على أهمّيّة التضامن الدوليّ من أجل نيلهم حريّتهم.
من القدس إلى شارل ديغول: سردية القيد والمنفى
وُلِد صلاح حمّوري عام 1985 في القدس ، وهو فلسطينيٌّ يحمل الجنسيّة الفرنسيّة . قضَى أكثر من عشر سنواتٍ في السّجون الإسرائيلية ، حيث أُدِينَ ظُلماً بدايةً مِن قِبل محكمةٍ عسكريّة ، ثمّ اعتُقِل ، لاحقاً ، تحت نظام الاعتقال الإداري ( من دون توجيه تهمةٍ أو محاكمة ) .وفي ديسمبر/ كانون الأوّل 2022 ، وقّعت الحكومة الإسرائيلية أمر ترحيله إلى فرنسا ، في سابقةٍ مثيرةٍ للقلق.
وفي سرديّةٍ مؤثِّرةٍ يروي حمّوري في هذا الكتاب ، حياةَ الأسرى الفلسطينييّن في السّجون الإسرائيلية ، ويؤكِّد على أهمّية التّضامُن الدّولي من أجل نَيلهم حُرِّيتهم .
وتتألّف محتويات هذا الكتاب من : مقدّمة ، وتسعة فصول وخاتمة .
وممّا جاء في مقدّمة هذا الكتاب نقتطف ما يلي : كنت منذ آذار / مارس قَيدَ الإعتقال الذي وَقَعت نِهايتُه في الرابع من كانون الأوّل / ديسمبر… وفي ذاك الرابع من كانون الأوّل / ديسمبر ، سلّموني وثيقةً تؤكّد على الأمر الصادر بترحيلي من البلاد . وفي السابع عشر من كانون الأوّل / ديسمبر ، وقبل منتصف الليل بقليل ، أعلمني المسؤول عن المعتقَل بترحيلي . كنت تحت وقع الصدمة لأنّ كلّ شيءٍ جرى بسرعة … إثر ذلك ، حضر أربعة رجال بالزّيّ المدني ، وهم كانوا من جهاز الإستخبارات وخَفَر الحدود . صفّدوا يديّ ، وأوثقوا قدميّ ، وأركبوني سيارة عسكرية ، غادرت بنا المركز الإعتقالي .
كانت مشاعري لتضاربها مشوَّشةً، غير أنّني رفضتُ الاستسلام لليأس … وصلنا إلى المطار قرابة الواحدة والنصف فجراً. أخرجوني من السيارة، وعبرنا مبنى المسافرين من اقصاه إلى أقصاه. كانت يداي لا تزالان مغلولتَين وقدماي مكبَّلتَين، بحيث ما كنت أستطيع حَثّ الخُطى، والناس جميعهم ينظرون إليَّ، وخصوصاً أنّ أربعة من عناصر الشرطة كانوا يشدّون الحصار حولي، لكنّني رفَضتُ مع ذلك طأطأة رأسي .
أَدخَلوني ألى غرفة وقعت على حدة، وأخذوا بتفتيشي وبتحرير أوراقٍ تُجيزُ لِيَ السّفر، لأنّ جواز سفري لم يكن بحوزتهم . ثمّ أعادوني إلى السيارة التي أقلّتنا إلى المَدرج ، حيث توقّفت أمام طائرة مدنيّة . وهنا ، بدأ الإنتظار .
عندما دقّت الساعة الخامسة صباحاً، وصل ضبّاط آخرون بالزِّيّ المدني لتسلُّم المَهَمَّة. فأبدلوا أصفادي بنظامٍ تقييديٍّ ملائم للسفر الجوي، وهو نوع من اللباس مصنوع من المادة السميكة نفسها التي تُصنع منها أحزمة الأمان، ويكبِّل يديِ المعتقَل وقدميه بقِفلٍ مصمَّم لهذه الغاية . ثم أصعدوني على متن الطائرة، وكانت حينذاك خالية من الرّكاب ، فعبرناها حتّى وصلنا الصفّ ما قبل الأخير فيها ، حيث أشاروا عليّ بالجلوس في المقعد الأوسط بين حارسَين .
ما كنت أستطيع الإلتفات إلى الخلف، لكنّني أظنّ أنّ حارساً ثالثاً كان يجلس وراءنا. وقبل صعود الرّكاب الآخرين إلى الطائرة، طلب الحرّاسُ من إحدى المضيفات غطاء يحجبون بواسطته يديَّ المُكبَّلتَين عن الأنظار. بقيتُ على هذه الحال طوال الرّحلة ، مذ انطلقنا من تل أبيب حتّى شارفنا الوصول إلى مطار رُواسّي – شارل ديغول . وقبل الهبوط بعشر دقائق ، فكّوا قيودي . ثم ، وما إن حطّت الطائرة على المدرج ونزل منها كلّ المسافرين ، حتّى قادني حرّاسي الإسرائيليون إلى بابها ، وعهشدوا بيَ إلى عناصر من الشرطة الفرنسية رافقوني إلى مبنى المطار . ولمّا وصلنا إليه ، أدخَلوني إلى مكتب طرحوا عليّ فيه بعض الأسئلة لمعرفة ما إذا كنت على ما يرام . ثم أمكن لي لقاء عائلتي ، واحتضان زوجتي أخيراً .
وينهي حمّوري مقدّمة هذا الكتاب ، بالتّأكيد التالي : ” وكما قلت يومذاك في مطار رُواسّي ، فأنا سأواصل النضال ولن أتخلّى عن فلسطين. فالمقاومة تبقى حقّاً لنا “.

