بين تهديدات الشيخ نعيم ودبلوماسيته المصطنعة مع الدولة كذبة كبيرة

نعيم قاسم

من يستمع لنعيم قاسم يخيّل إليه أنّ الرجل يتلو بياناً وطنياً محكماً، فيما هو في الواقع يقدّم عرضاً مسرحياً رديئاً من التناقضات الفاقعة.

يبدأ بالحديث عن (الخيار الدبلوماسي) للدولة اللبنانية، ويعلن بكل فخر أنّ الحزب (يؤيد) خطوات الدولة لوقف الحرب وللحظة، يتخيل المرء أن الحزب أخيراً اعترف بأن لبنان دولة وأنه جزء من قرارها لكن ما إن تمر ثوانٍ حتى ينقلب الخطاب على نفسه،يهاجم ممثل الدولة في لجنة التفاوض لأنه (مدني) ويتهم الحكومة بالتنازل المجاني، وكأن ما أُعلن عنه لم يكن بقرار رسمي لبناني شارك في ترتيبه كل من يعرف ويعلم، بمن فيهم الحزب نفسه ورعاته.

يتصرف قاسم وكأن إعلان بدء التفاوض و اسم ممثل الدولة بلجنة الميكانيزم وقع عليه كالصاعقة، متفاجئ، مزعوج، مصدوم، بينما الحقيقة التي يعرفها هو قبل غيره أن الاتفاق على التفاوض واسم ممثل الدولة مرّ عبر كل دهاليز السلطة،من الضاحية إلى عين التينة، ومن طهران إلى الدوحة، ومن واشنطن إلى باريس،يعرفونه وهو يعرف أنهم يعرفون وبيئته تعرف أنه يعرف ومع ذلك، يقف بكل ثقة ليؤدي دور الرجل (الذي لم يُستشر)وكأن الدولة قامت بخيانة عظمى بينما الحزب نائم في الليل، غافل عن العالم.

يريد دبلوماسية بشرط أن تكون على مقاسه، ويريد دولة بشرط أن تجلس خلفه وتصفّق، ويريد مفاوضات بشرط ألا يجرؤ أحد على الاعتراف بأن الحزب نفسه وافق عليها وباركها ضمنياً

والأبسط من ذلك أن صراخه عن السلاح لا علاقة له بإسرائيل، وهذا ما لم يعد يجرؤ على إنكاره حتى بعض جمهور الحزب،فالتفاوض لم يمسّ السلاح، والحرب ذاتها لم تُخض بسلاح الحزب الذي بقي خلف الخطوط يقدم (دعمًا موضعيًا) بينما الجنوب يحترق.

إقرأ أيضا: نعيم قاسم: تعيين مدني في لجنة «الميكانيزم» سقطة إضافية تُضاف إلى خطيئة ‏قرار الخامس من آب

ومع ذلك، يصرّ على أن الحديث عن سلاحه هو استهداف للوجود، بينما الجميع يعرف أن مشكلة سلاحه ليست عسكرية بل سياسية، وأن المواجهة ليست مع إسرائيل  وحدها بل مع واقع داخلي يريد استعادة الدولة من تحت ركام الميليشيا.

ثم يقول إن الحزب (يتعاون مع الدولة)بينما هو ذات الشخص الذي يسحب من الدولة حق اختيار ممثلها، ويقرر نيابة عنها ماذا تفعل، وكيف تتفاوض، ومن يتكلم، ومن يسكت.

يريد دبلوماسية بشرط أن تكون على مقاسه، ويريد دولة بشرط أن تجلس خلفه وتصفّق، ويريد مفاوضات بشرط ألا يجرؤ أحد على الاعتراف بأن الحزب نفسه وافق عليها وباركها ضمنياً.

يصرّ على أن الحديث عن سلاحه هو استهداف للوجود، بينما الجميع يعرف أن مشكلة سلاحه ليست عسكرية بل سياسية، وأن المواجهة ليست مع إسرائيل  وحدها بل مع واقع داخلي يريد استعادة الدولة من تحت ركام الميليشيا

والمفجع المضحك في الآن نفسه أنه يتحدث عن (استهداف المقاومة لأنها مشروع وطني تغييري)بينما العالم كله  من الإقليم إلى المجتمع الدولي  يصنفه منظمة إرهابية.

يتجاهل هذا التصنيف لأنه يهدم خطابه كاملاً، ولأن الاعتراف به يعني الإقرار بأن التفاوض الحقيقي ليس بين لبنان وإسرائيل، بل بين لبنان ودول تريد وضع حد لدور حزب مسلّح يجرّ البلاد إلى الهلاك باسم (التحرير)

وفي لحظة يأس واضحة، يقرّر أن يهرب إلى الأمام،يهاجم الداخل، يتهم اللبنانيين بالعمالة لإسرائيل، وكأن كل من يعترض على منطق الحزب يجب أن يكون خزانة معلومات للموساد.

نفس الخطاب الرخيص الذي هرِم وتآكل، لكنه يُعاد تدويره كلما احتاج إلى تغطية تناقض جديد.

ثم يصرخ(لا يستطيع أحد أن ينزع سلاحنا) وطبعاً لا يستطيع، ليس لأن السلاح مقدس بل لأن الحزب يعرف أن السلاح لم يعد موجهاً لإسرائيل بل موجهاً للدولة نفسها. يعرف أنه خسر الحرب سياسياً قبل أن تبدأ عسكرياً، وأن التفاوض (الذي وافق عليه ورضي به )ليس انتصاراً ولا هزيمة، بل اعتراف رسمي بأن الحزب لم يعد يمسك بالإيقاع الإقليمي وحده، وأن القرار الآن بيد دول لا تعبأ بخطاب التحدي ولا بالتهويل الإعلامي.

وفي لحظة يأس واضحة، يقرّر أن يهرب إلى الأمام،يهاجم الداخل، يتهم اللبنانيين بالعمالة لإسرائيل، وكأن كل من يعترض على منطق الحزب يجب أن يكون خزانة معلومات للموساد.

إن خطاب نعيم قاسم هو محاولة يائسة للحفاظ على صورة صلابة مهشمة، ومحاولة تغطية واقع يعرفه هو قبل غيره فالحزب ليس من يصنع مسار الأحداث الآن، بل يلهث خلف موجات تفاهمات دولية أكبر منه. يحاول بخطاب مرتجل أن يقنع بيئته بأن كل خطوة خارجة عنه مؤامرة، وأن أي إشارة إلى دولة حقيقية هي استهداف، وأن السلاح فوق البشر والقانون والتاريخ.

إقرأ أيضا: علي الأمين: تعيين السفير كرم رئيساً لوفد التفاوض هو قرار لبناني فرضته الاعتبارات الداخلية ولا يمكن للحزب أن يقف في وجهه

وفي النهاية، كل هذا العنف الكلامي لا يخفي شيئاً فالحزب يعرف أنه مهزوم استراتيجياً، وأن التفاوض لم يغير شيئاً من الحقيقة القاسية، وأن العالم يتعامل معه كتنظيم مسلح خارج الدولة، وأن كل تهديداته وصراخه ليست إلا محاولة لإقناع بيئة لم يعد يملك عليها شيئاً سوى إرث الخوف وأوهام الانتصارات المتخيلة…..

السابق
تصعيد سياسي وأمني يربك المسؤولين..ورسائل نارية باتجاه اليونيفل
التالي
وزير الخارجية: الدولة هي المسؤولة الوحيدة عن الدفاع عن لبنان