من يتأمّل في عمل الوزارات الخدماتيّة في لبنان، يكتشف سريعاً أنّ الخلل ليس فقط في الأداء، بل في الفلسفة التي تُدار بها الدولة. الوزارات التي وُجدت لتخدم الوطن كلّه، تحوّلت عند البعض إلى “دوائر نفوذ” تُدار بمنطق الزعامة، لا بمنطق الدولة والمؤسسات.
ووزارة الأشغال واحدة من أبرز الأمثلة. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل الوزير يُعيَّن ليخدم منطقته فقط؟ ضيعته؟ عشيرته؟ عائلته؟ أم أنّ موقعه ووزارته ملك لكل اللبنانيين، من الناقورة إلى الهرمل، ومن طرابلس إلى صور؟
ما نراه على الأرض مؤسف. مشاريع تُفتح هنا وتُقفل هناك، طرقات تُعبَّد في نطاق محدّد، جسور وصيانة وخدمات تذهب لفئة معروفة، فيما مناطق أخرى تُترك للإهمال وكأنها خارج خريطة الوطن. وكأن الوزارة أصبحت “غنيمة” تُوزّع على الأقربين والأتباع، لا مؤسسة خدمات عامّة يجب أن تصل إلى آخر مواطن في آخر قرية.
هذا السلوك ليس صدفة، بل جزء من العقلية التي دمّرت الدولة: عقلية المحسوبية. وزير يأتي إلى موقعه حاملاً همّ جماعته فقط، فيصرف الإمكانيات كأنها ملك لعائلته أو لمحيطه السياسي، بينما باقي اللبنانيين يدفعون الثمن من مالهم وضرائبهم وحقوقهم.
وزارة الأشغال يجب أن تكون وزارة وطن… لا وزارة زاروب. وزارة تُعالج انهيار الطرق قبل انهيار الدولة، وتُصلح الجسور قبل أن تُصلح صورة الزعيم في منطقته. وزارة تُخطّط، لا “ترقّع”. تخدم، لا “ترضّي”. تبني، لا “تساوم”.
إذا بقيت الوزارات تُدار بالعقلية نفسها، سيبقى الوطن منهكاً، والمواطن مغبوناً، وستبقى الدولة سجينة صفقات ومحاصصات لا تشبه إلا أصحابها.
لبنان يستحق وزراء يخدمون الوطن… لا أنفسهم.

