النقاش حول تصويت المغتربين للـ128 لم يعد تفصيلاً انتخابيًا بل صار معركة بقاء: إمّا دولة ودستور، وإمّا سلطة تحتكر البرلمان وتحبسه في قبضة رجل واحد. لثلاثين سنة، تحوّل مجلس النواب من مؤسسة وطنية إلى مزرعة سياسية خاصة، محكومة بعقل واحد: نبيه بري. انتخابات تُعطّل، جلسات تُقفل، قوانين تُدفن، ورئاسة جمهورية تُفرَّغ إلى أن تنضج صفقة. هذا ليس تفسيرًا سياسيًا بل واقع مثبت بالدستور والأرقام والقانون.
الدستور اللبناني نفسه ينسف كل الحجج التي تُقدّم لحرمان المغتربين من الاقتراع للـ128.
– المادة 7 تقول: “كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية.”
إذًا لا يوجد شيء اسمه مواطن من درجة أولى يصوّت للـ128، ومواطن من درجة ثانية يُعطى 6 مقاعد.
– المادة 21: “لكل مواطن لبناني بلغ السن القانونية حق أن يكون ناخبًا.”
لم تذكر كلمة “مقيم”. لم تذكر “داخل لبنان”. لم تذكر “ضمن الحدود”. الحق مطلق.
أما قانون الانتخاب نفسه فيضحِّي بكل ادعاءات السلطة:
– المادة 112 من قانون الانتخاب رقم 44/2017 تنص حرفيًا أن المغترب يقترع للمرشحين في دائرته الأصلية، أي للـ128.
– أما “نواب الاغتراب” الـ6، فجاءوا في المادة 122 كتطبيق مشروط، وليس بديلاً عن التصويت الكامل.
وإذا تعذّر تطبيق النواب الـ6، يعود المغتربون تلقائيًا للتصويت للـ128. وهذا ما أكدت عليه وزارة الداخلية نفسها في 2022.
ما الذي حصل؟
تمّ استخدام ذريعة “الاستعداد اللوجستي” لمنع المغتربين من الاقتراع العام، رغم أنّ كل شيء كان جاهزاً: صناديق، أقلام اقتراع، مراكز في 48 دولة، وفرز إلكتروني. أي أنّ السلطة استعملت القانون كغطاء، لا كمرجع.
والسبب واضح.
لأنّ الأرقام تُفزِعهم:
• في انتخابات 2022، سجّل 244,000 لبناني في الخارج.
• اقترع منهم 142,000 بنسبة 63%، مقابل أقل من 50% في الداخل.
• أكثر من 1.3 مليون مغترب يحق لهم التصويت إذا فُتح التسجيل.
• والأهم: أصوات الخارج أسقطت لوائح محسوبة على “أمل” في دوائر حسّاسة.
هذه الأرقام تكشف الحقيقة:
المغترب لا يُشتَرى، لا يُهدَّد، لا ينتظر “معاملة”، ولا يحتاج لبطاقة تموين.
وهذا وحده كافٍ ليصبح أكبر خطر على المنظومة.
هنا يظهر دور نبيه بري.
الرجل الذي حوّل المجلس النيابي إلى شركة مغلقة:
• يعطّل انتخاب الرئيس متى شاء
• يغلق البرلمان بالقرار الشخصي
• يقتطع الدستور كما تُقتطع الغنائم
• ويعيد فتح الجلسات فقط حين تنضج الصفقات
لكن الدستور كان واضحًا أيضًا:
المادة 73 تلزمه بدعوة المجلس إلى انتخاب رئيس قبل انتهاء ولاية الرئيس بشهرين… لكنه عطّل المواد الدستورية سنوات من دون محاسبة.
أي أنّ الرجل الذي يلوّح بالدستور هو أول من يدهسه.
لهذا تحديدًا تخاف المنظومة من تصويت المغتربين للـ128:
لأنّ المجلس عندها لم يعد “مجلس بري” بل “مجلس اللبنانيين”.
سقوط الاحتكار يبدأ من صناديق الخارج.
ولأول مرة منذ الطائف، يصبح هناك جسم انتخابي خارج سيطرة الزعامة والسلاح والخدمات.
مَن يعيش في باريس أو سيدني أو دبي لا يسأل “من سيوقّع معاملتي؟” بل “من سيبني دولة؟”
وصوته وحده قادر على إسقاط ماكينة عمرها 30 سنة.
باختصار:
• الدستور أعطى الحق
• القانون شرّع الحق
• الأرقام أثبتت الخطر
• والمنظومة تمنع التنفيذ… ليس لسبب قانوني، بل لحماية كرسي واحد.
تصويت المغتربين للـ128 ليس إصلاحًا انتخابيًا، بل لحظة تحطيم للاحتكار.
إمّا نفتح الصناديق، أو يبقى البرلمان ملكًا خاصًا، لا مؤسسة وطنية.
إمّا دولة… أو جمهورية نبيه بري.
إقرأ أيضا: بين واقع الفشل وكلام براك… هل انتهت فكرة الدولة؟

