“التاريخ الإسلاميّ لم يكن يعكس جوهر الإسلام، ولكن كان يعكس جوهر سُلطات الاستبداد” — بهذه العبارة المكثّفة يلخّص العلاّمة السيّد محمد حسن الأمين (قدِّس سرّه) جوهر رؤيته النقديّة لتاريخ الإسلام السياسيّ، في حوارٍ فقهيّ عميقٍ أجراه معه السيّد قاسم الغريفي، ووثّقه في كتابه الجديد الصادر حديثًا (2025) عن دار المحجّة البيضاء في بيروت، بعنوان:
“مطارحات في الإسلام السياسيّ (حوار فكريّ مع المفكِّر الإسلاميّ الكبير العلاّمة السيّد محمد حسن الأمين – رحمه الله)”.
هيكل الكتاب ومضامينه
يضمّ الكتاب مقدّمة وخمس مطارحات رئيسة، تتفرّع عنها عشرات المحاور الفكرية والفقهية التي تضيء على رؤى العلاّمة الأمين في قضايا الحكم، والدين، والدولة، والاجتهاد، والعلاقة بين الإسلام والحداثة.
المطارحة الأولى: مفهوم الإسلام السياسيّ في منظور العلمانيين
المحوريّة الرئيسة لهذه المطارحة هي: “مفهوم الإسلام السياسي في منظور العلمانييّن”، وتندرج تحتها عشرة محوريّات فرعيّة، منها:
“مفهوم الإسلام السياسي على ضوء التجربة المحمّديّة”،
“الحضارة نتاج التفاعل بين المسلمين وجوهر الإسلام”،
“الحركات الإسلامية هل كانت بمستوى الطموح الإسلامي؟”.
المطارحة الثانية: أصل نظرية الحكم السياسيّ في المنظور الإسلاميّ
تتناول هذه المطارحة ثلاثةً وعشرين محورًا فرعيًا، من أبرزها:
“مجالات الشورى لدى النبيّ (ص)”،
“نظرية الحكم السياسي بعد عصر الغَيبة لدى الشيعة والسنّة”،
“ولاية الفقيه في نظر العلاّمة الأمين”.
المطارحة الثالثة: أيديولوجية الدين عند المفكرين
أما هذه المطارحة، فتبحث في موقع الدين ودوره الفكري والاجتماعي، وتضمّ سبعة عشر محورًا فرعيًا، منها:
“العلاّمة الأمين: الدين حاكم على الدولة”،
“دور العلم والمعرفة في النهوض والتطوّر”.
المطارحة الرابعة: الدولة بين الفكر الإسلامي والفلسفة الاجتماعية
محوريّتها الرئيسة هي: “تأكيد علماء الاجتماع والفلاسفة على ضرورة إقامة الدولة”، وتشتمل على اثنتي عشرة محوريّة فرعية، أبرزها:
“تأكيد الفكر الإسلامي على ضرورة إقامة الدولة”،
“لا شرعية لسلطة القهر والغلبة”،
“حقيقة الجهاد المسلّح في الرؤية الإسلامية”،
“الإمام عليّ (ع) وفقه مواجهة البغي”.
المطارحة الخامسة: قراءة في عملية الاجتهاد عند مذهب أهل البيت (ع)
تتناول هذه المطارحة اثنتي عشرة محوريّة فرعية، منها:
“مسار التحوّل في الفقه السياسي في مدرسة أهل البيت (ع)”،
“الديموقراطية ليست عقيدة بل تنظيم”.
في مقدّمة الكتاب: الإسلام ضدّ الاستبداد
جاء في مقدّمة المؤلف اقتباس غنيّ بالدلالات:
“الإسلام والاستبداد ضدّان لا يلتقيان، فتعاليم الدين تنتهي بالناس إلى عبادة ربهم وحده، أمّا مراسيم الاستبداد فترتدّ بهم إلى وثنيّة سياسية عمياء… والإسلام دينٌ يحقّق لأبنائه الأمن بكلّ أقسامه وأنواعه، دينٌ قائم على العدل، عصيّ على التجزئة والتشويه، قادرٌ في كلّ زمانٍ ومكانٍ على إحياء المجتمعات وحلّ مشاكلها، وسطيٌّ محاربٌ للتطرّف بكلّ أشكاله”.
ويُضيف المؤلف موضحًا أنّ محاولات تشويه الإسلام عبر ربطه بالممارسات المتطرّفة تحت عناوين مثل “الإسلام السياسي” أو “الأصولية” دفعت بالمفكرين المسلمين، وفي مقدّمتهم العلاّمة الأمين، إلى كشف زيف هذه المصطلحات وخطورتها الفكرية.
جوهر فكر العلاّمة الأمين: الدولة شأنٌ بشريّ والدين أوسع من السياسة
يؤكّد الكتاب في أكثر من موضع أنّ العلاّمة الأمين كان يرى في الإسلام منظومةً روحيةً وأخلاقيةً أكبر من الدولة، وأنّ الدولة، من منظور إسلاميّ، “شأنٌ بشريّ” تنشأ في دائرة المباحات.
ومن عباراته البليغة التي تتكرّر في المطارحات:
“الإسلام دين المبادئ، الإسلام دين الوسطيّة والاعتدال، القرآن كتاب هداية، الدين أكبر من الدولة، الدولة شأنٌ بشريّ، والدولة إسلاميًّا تنشأ في دائرة المباحات”.
ويشير العلاّمة الأمين إلى أنّ عنف المعارضة السياسية في الماضي والحاضر كان ثمرة الاستبداد والظلم، وأنّ التكفير نتيجة سوء الفهم والتأويل الخاطئ للفقه الإسلامي، معتبرًا أنّ احترام الشورى ضمانةٌ للأمة من الاستبداد، وأنّ الحوار هو السبيل للقضاء على المذهبيّة، وأنّ العلم والمعرفة هما سلّم الارتقاء والتقدّم.
وبالنهاية، نعود الى المطارحة الأولى للعلامة الامين التي يقول فيها:
“إنّ تاريخ الإسلام السياسيّ ليس تاريخًا مشرّفًا إذا استثنينا بعض الحقب القصيرة، فإنّنا نرى أنّ التاريخ الإسلاميّ لم يكن يعكس جوهر الإسلام، ولكن كان يعكس جوهر ما أسمّيه بسلطات الاستبداد، ويعتمد في شرعيّته على ما أدعوه بشرعيّة القهر والغلبة، فكان الغالب يصبح حاكمًا بغضّ النظر عن مدى علاقته بالإسلام أو بُعده عن هذه العلاقة”. (الصفحتان: 16 – 17).
خاتمة: فكر إصلاحيّ يربط الإيمان بالحرية والعقل
يقدّم هذا الحوار في جوهره وثيقة فكرية تُعيد قراءة الإسلام السياسيّ في ضوء فكرٍ إصلاحيّ متوازن، يرى أنّ الإسلام مشروع تحرّر إنسانيّ قبل أن يكون مشروع سلطة، وأنّ الإيمان لا يستقيم في ظلّ الاستبداد، وأنّ العقل هو سبيل الإيمان الأعمق.

