هل سيشهد لبنان حربا قادمة؟ سؤال طالما يتردد على لسان كل لبناني. ويجري طرحه على من يظهر على شاشات الاعلام، او من يتولى في المنصات الاعلامية والمواقع الالكترونية، مهمات التحليل السياسي وقراءة الأحداث السياسية الجارية وسبر أغوار التوقعات القادمة.
وللاجابة على هذا السؤال لا بد من سؤال تمهيدي آخر، ماذا تريد اسرائيل من لبنان وما هي خيارات حكومة نتنياهو تجاه لبنان في نهاية سنة ٢٠٢٥!؟
من الواضح ان استراتيجية حكومة نتنياهو تقوم على فرض “سلام اسرائيل بالقوة” وهو خيار طبق في غزة في مواجهة حماس، فتم وقف حرب الإبادة الجماعية وسياسة تجويع المدنيين، مقابل الإفراج عن الرهائن ونزع سلاح حركة حماس، وتسليم السلطة في قطاع غزة لمجلس السلام الدولي، أي أن شروط إسرائيل أن تتحول حماس إلى جماعة لاسلطة لها ولا سلاح لديها، وهو ما يعني إنهاء دورها، و للاسف تحظى المطالب الاسرائيلية بموافقة عربية وغربية ودولية. ومن المرجح ان تدخل قوات مصرية وتركية وقطرية الى قطاع غزة لتنفيذ الجانب الأمني من الاتفاق.
هل تختلف أهداف حكومة نتنياهو في لبنان عن أهدافها في غزة!؟.
الارجح ان اسرائيل تريد من لبنان أن يجرد حزب الله من سلاحه، وان يفكك منظومته الامنية واللوجستية، وان يخضع للدولة اللبنانية، وأن لا يمارس أي فعل سلطوي مستقل خارج الدولة، الفارق الوحيد بين موقف إسرائيل في غزة وموقفها في لبنان، ان حماس تسلم مقاليد سلطتها الى هيئة دولية تشرف على مرحلة انتقالية بانتظار تأهيل السلطة الفلسطينية لتحل محلها، اما في لبنان فالسلطة اللبنانية، المفترض انها مؤهلة، مطلوب منها أن تتولى تحويل حزب الله ايضا، الى جماعة لا سلاح لديها ولا سلطة بيدها. اي تعطيل دوره في خدمة ايران، وتقليص نفوذه في التوازنات الداخلية اللبنانية، وقد تقلص هذا النفوذ منذ انتخاب جوزف عون وتشكيل حكومة نواف سلام. وسيستمر تقليص هذا النفوذ في الانتخابات النيابية القادمة.
اليوم بعد سنة على توقيع اتفاق انهاء الاعمال القتالية، الى أين نتجه؟ هل الحرب انتهت فعلا؟ ام سيشتد اوارها في جولات جديدة!؟ السؤال يصبح ملحا في ظل استمرار اسرائيل في رقابتها اليومية للأجواء اللبنانية وقيامها بعمليات قصف واغتيال بشكل أسبوعي
وفي كلا الحالتين اي في غزة أو لبنان، لا إعمار ولا عودة الى البيوت العامرة إلا بعد تنفيذ وإنجاز المطالب المدرجة أعلاه.
قد يقول قائل إن هذه الوضعية هي نوع من العقاب الجماعي، والابتزاز السياسي، يطال مدنيين أبرياء، والتوصيف صحيح ودقيق، ولكن متى كانت الحروب إلا عملا وحشيا، يجري فيه تحميل المدنيين لدى الطرف الخاسر وزر وأعباء الخيارات السياسية والعسكرية، التي اتخذتها قيادته، و التي خاضت الحرب باسم جماعتها، حتى ولو كانت خلافا لتوجهات الجماعة ومصالحها.
فليس صحيحا ان خيار شعب غزة كان الدخول الى حرب إبادة تقتلع الناس من بيوتهم وتدمر عمرانهم وتبدد أرزاقهم وتمنع خدماتهم، وتعرضهم للمهانة والبرد والإفقار والجوع والتهجير والموت، تماما كما لم يكن خيار شيعة لبنان ان يتم زجهم في آتون معركة لا فائدة منها، وكان يمكن تجنبها، وهم كانوا لا يتصورون أن تكون نتائج هذه المعركة، وكلفة ولائهم لحزب الله؛ كارثة عسكرية اولا وهزيمة سياسية ثانيا وماساة انسانية ثالثا، وخراب عمراني رابعا، وتهجير من قرى الجنوب الامامية واقتلاع اسواقها ومصالحها و مواسمها الزراعية خامسا.
إقرأ أيضا:مؤشرات لحرب اسرائيلية قريبة ضد حزب الله ولبنان!
اليوم بعد سنة على توقيع اتفاق انهاء الاعمال القتالية، الى أين نتجه؟ هل الحرب انتهت فعلا؟ ام سيشتد اوارها في جولات جديدة!؟ السؤال يصبح ملحا في ظل استمرار اسرائيل في رقابتها اليومية للأجواء اللبنانية وقيامها بعمليات قصف واغتيال بشكل أسبوعي، دون أن تتحرك اللجنة الخماسية الذي يقودها ضابط اميركي ويشاركه اخر فرنسي، وبعد تصريحات المبعوث الأميركي توماس باراك الذي ادلى بما يثير الكثير من القلق والمخاوف، وركزت على ضرورة أن يتقدّم لبنان في مسار نزع سلاح حزب الله، وحذرت من أن إسرائيل قد تتحرّك منفردة إذا تأخّر الأمر.
ففي 20 أكتوبر 2025
قال باراك متحدثا عن اتفاق غزة ان“13 أكتوبر 2025 سيُذكر كلحظة حاسمة في دبلوماسية الشرق الأوسط الحديثة. ” إن “الإفراج عن الرهائن، ووقف الأعمال العدائية، والالتزامات التي أُعلن عنها في شرم الشيخ قد وضعت أساساً ما، لكن بلا شك هذا ليس حدثاً بل عملية.” مستمرة، إن “إيقاع الحوار، مع ذلك، يحتاج الآن إلى أن يُمد شمالاً، نحو سورية، وأخيراً نحو لبنان.” إن “ القطعتان التاليتان الحيويتان من هذه البُنية التحتية للسلام ما زالتا غير مكتملتين.” وفي وصفه حالة لبنان اضاف: “النتيجة كانت هدوءاً هشاً بلا سلام، وجيشاً بلا سلطة، وحكومة بلا سيطرة.” “إذا استمرّت بيروت في التردّد، فيمكن لإسرائيل أن تتصرّف من طرف واحد، والعواقب ستكون جسيمة.” وفي تصريح آخر قال : “القوى الأميركية لا تملي على لبنان ماذا يفعل ! نحن نفتح طريق الشراكة، وفق ما يراه لبنان مناسباً.” ف “وسط تسارع شركاء إقليميين نحو طرد وكلاء إيران، أصبحت الحوافز للأفعال الآن تفوق تكاليف عدم الفعل.”.
ان توسيعا متدرجا للعمليات العسكرية الإسرائيلية ومتصاعدا أصبح أمرا مرجحا وواقعا، فهل ستتحمل رئاسة الجمهورية مسؤولية منع الوصول اليها، وحماية لبنان وخاصة شيعته، من مخاطر خيارات ازلام ايران وعنترياتهم!؟
على ارض الواقع يبقى اهل الجنوب مهجرين من قراهم الامامية، وتبقى اية حركة للناس في الجنوب مقيدة باذن اسرائيلي عبر الجيش واللجنة الخماسية، وتبقى عملية إعادة الإعمار معطلة بفعل الغطرسة العسكرية الاسرائيلية اولا، وغياب اية رغبة عربية واقليمية في تمويل هذه العملية، قبل انجاز نزع سلاح حزب الله، فيما تتبدى موجة عارمة لدى أصحاب المنازل، الشيعة وغير الشيعة، في الضاحية الجنوبية، لبيع منازلهم بما يتوفر من اسعار منخفضة، والاستقرار في مناطق خارج نطاق الثنائية الحزبية امل وحزب الله. لا يهتم حزب الله بكل هذه القضايا والملفات، ولا يقوم بالرد على عمليات اسرائيل التي فاقت خلال سنة أكثر من ٦٠٠ عملية، ذهب ضحيتها اكثر من ٣٠٠ من شباب الحزب وكوادره، ما يهمه ويفعله عمليا رفض الالتزام بما وقع عليه في اتفاق الإذعان للعدو، الذي توصل إليه الرئيس بري مع عاموس هوكشتاين، ورفع علم ايران على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، تجاه صخرة الروشة.
إقرأ أيضا: علي الأمين: واشنطن ترى عجز الدولة اللبنانية عن حسم ملف «الحزب» واحتمال ضربة إسرائيلية قائم
تنتفض جماعة الحزب غضبا لدى اي خبر عن تسليم سلاحه للجيش اللبناني، ويردد الشيخ نعيم القول ان الحزب عاد لقوته وجهوزيته التي كانت قبل حرب الاسناد الكارثية، حسنا لو صدقنا كل هذه المزاعم!! لماذا لا يرد حزب الله ولو لمرة واحدة على مئات العمليات الاسرائيلية، المنطق يقول انه اعجز من ان يستطيع فعل ذلك، وبسبب عجزه لا يجد متنفسا لحالة الانكار الذي يعيشها سوى الهجوم على نواف سلام. فكل مصاب برهاب نفسي يتبنى عدوا متخيلا ويجعل من عداوته Idée fixe.
وبناء على ماتقدم فان توسيعا متدرجا للعمليات العسكرية الإسرائيلية ومتصاعدا أصبح أمرا مرجحا وواقعا، فهل ستتحمل رئاسة الجمهورية مسؤولية منع الوصول اليها، وحماية لبنان وخاصة شيعته، من مخاطر خيارات ازلام ايران وعنترياتهم!؟

