في تلك السنوات الموحشة من مطالع الثمانينيات، حين كانت المدافع ترسم حدود الأفق وتثقل السماء بالرماد، ظلّ للناس في قراهم طقوس أخرى، تصنع للحياة معنى وتفتح للذاكرة أبواباً لا تنغلق. يومها، حملت عبا أبناءها، وخرج وفدها بسبع سيارات وفان، كأنها قافلة صغيرة تحمل في ركابها كبرياء الفلاحين وأصوات العزاء وشيئاً من الفرح المستتر.
كانت المناسبة تجديد الرئاسة لكامل بك الأسعد ( رئاسة مجلس النواب ) عام ١٩٨٢. دخلنا داره في الحازمية ظهراً، في أيام العاشر من المحرم، حيث المجالس قائمة والشيخ الكاشي يتلو على مسامع الناس ذكرى الدم المهدور في كربلاء.
بساطة البيك وطرافته
لكنّ خلف أبواب البيت، انكشف لنا وجه آخر: وجهٌ يضحك، يمازح، ويختصر لبنان بأسره في نهفات وفكاهات، بعضها يليق بالتاريخ وبعضها لا يليق إلا بالذاكرة.
المائدة، على سعتها، لم تُفرش بالقصور ولا بالذهب. كانت مجدرة وسلطة ولبن. مأكل القرى الفقيرة، ولقمة الحقول التي لا تخون. جلسنا نأكل، وفهمنا أنّ الرسالة أبعد من الطعام: البيوت تُبنى على ما يقتات به الناس لا على ما يتفاخر به الساسة.
لكن السياسة في لبنان لا تنفصل عن الدعابة. جلس السيد يوسف والحاج أبو جميل سارة والسيد إسماعيل على الأرائك المخصصة للنواب، ولما دخل كامل الأسعد، نظر إليهم وقال بصوت المترفع الذي يضمر الألفة: “هذا مكانكم الطبيعي في قلب المجلس”. ثم وقع بصره على أنور الصباح في زاوية الغرفة على كرسي خشبي، فقال له: “وهذا أيضاً مكانك الطبيعي، فأنت ممثلهم”. ضحك الحضور، وازدانت الجلسة بظرف السياسة حين تتخفف من صرامتها.
حتى السيجار الكوبي تحوّل إلى رمز. مدّ السيد يوسف يده إلى علبة السيجار ثم قال: “آخذه للذكرى”. فما كان من البيك إلا أن وزع العلبة كلها على وجهاء عبا، كأنه أراد أن يقول: الذكرى ليست امتيازاً فردياً بل ميراث جماعي. ومع ذلك عاد السيد يوسف وأخذ سيجاراً ثانياً، قائلاً بلهجته الصريحة: “هذا سيجار البيك، مش متل سيجارة اللف”. هنا كان الضحك صدى للبساطة الشعبية وهي تواجه هيبة المقامات.
أما الحكاية التي لن تنسى فهي حكاية الحمام. أبو جميل، الذي لم يألف الكرسي الفرنجي، دخل متردداً، ثم صرخ باسمي لما رأى غياب “الجورة” المألوفة. دللته على المقعد وشرحت له عن السيفون، فلما شدّ الحبل وتدفقت المياه، اعتقد أنّه كسر قسطل الحمام وأفسد دار البيك. ضحكنا، وازداد ارتباكه حين سألني: “كيف أطهر؟”. كان الكرسي الآخر غريباً عنه، ففتح الماء حتى تحوّل المكان نافورة بللت سرواله الأبيض. خرج مرتبكاً، يهمس ساخطاً على الحضارة التي تجلس الإنسان على الكرسي حتى في حاجته، ثم يسكب عليه الماء كأنها معمودية.
كان ذلك المشهد أكثر من طرفة. كان صورة عن وطن يحاول الانتقال من الطين إلى الإسمنت، من البساطة الريفية إلى تعقيد المدن، من العفوية إلى البروتوكول. وطن يتعثر وهو يتعلم استعمال الكرسي الفرنجي كما يتعثر وهو يتعلم السياسة والحداثة.
وداع ووفاء الذاكرة
انتهى المجلس. وقف كامل الأسعد على الدرج يودّع الوفد. ذاكرته كخزانة مفتوحة، يذكر الأسماء واحداً واحداً، يسأل عن الزراعة وأحوال البيوت، ويخصّ هذا بسلام ويصافح ذاك بمودة. وكان أهل عبا مبتهجين، يرون في مجرد شدّ اليد عليهم تكريماً يعلو على كل شيء. حتى عمي حسين حسين صاح بصوته الجهوري: “كيف بدو البيك ينساني، بيعرفنا واحد واحد”.
غادرنا الدار، والذاكرة محملة بما هو أثقل من السيجار وأشهى من المجدرة. توقفنا عند فلافل خليفة في خلدة، ثم غلب رأي الوالد فكانت الشاورما نصيب الوفد. وفي الطريق، ظلّ الجدل قائماً: من استفاد من الزيارة؟ من حصد المجد؟ ومن اكتفى بالمجالس والضحك؟ حتى قال عمي حسين لحكيم الوفد: “يا أبو حسين علي أمين ، ما حدا استفاد متلك… شو تليفون البيك عليه جمرك”. وضحك الجميع.
هكذا كانت الزيارة: بين مجلس عاشورائي ومائدة عدس، بين سيجار كوبي وحمام فرنسي، بين مزاح البيك وارتباك الفلاح، بين اليد الممدودة على الدرج وذاكرة الوفد التي لا تنسى. لم تكن زيارة بروتوكولية فقط. كانت درساً في أن لبنان الحقيقي لا يُقرأ في خطب السياسيين، بل في حكايات الوفود، وفي المجدرة التي يأكلها البيك مع ضيوفه، وفي بسمة أبو جميل وهو يعود إلى قريته مبللاً لكنه محمّل بحكاية سيضحك لها الناس نصف قرن وأكثر.
اقرا ايضا: الشجرة: فلسفة الحياة ومعنى البقاء

