في زيارة إلى مكتب «جنوبية» في بيروت، جلست السيدة فوزة اليوسف، عضو الهيئة الرئاسية لحزب الاتحاد الديموقراطي في شمال وشرق سوريا، إلى طاولة حوار مفتوحة مع الصحافي علي الأمين. دار النقاش حول القضية الكردية بامتداداتها السياسية والثقافية، وعلاقاتها الإقليمية والدولية، من أنقرة إلى واشنطن، مروراً بتل أبيب. لم تغب الملفات الحساسة عن الطاولة: النفط، الدستور السوري الجديد، والتوازنات المعقدة بين القوى الإقليمية والدولية على الأرض السورية.
الحوار حمل تساؤلات كبيرة: هل يسعى الأكراد إلى دولة قومية مستقلة أم إلى الانضمام إلى سوريا جديدة بقيادة أحمد الشرع؟ كيف ينظرون إلى السلطة الجديدة في دمشق؟ وما هي طبيعة النقاشات والتفاهمات الجارية مع النظام الجديد؟
نقاشات وتفاهمات مع النظام الجديد في سوريا!
تشرح فوزة اليوسف أن الحوار مع النظام السوري لم يتوقف منذ العاشر من آذار، وتقول: “تمكّنا خلال ذلك اللقاء من الاتفاق على ثمانية بنود، وما زالت النقاشات مستمرة من أجل تطبيقها”. وتشير إلى أنّ اتفاقًا آخر شمل حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، وهما من الأحياء ذات الغالبية الكردية، إضافة إلى ملفات تتعلق بالمهجّرين من عفرين ومناطق أخرى.
وتضيف: “رغم الاتفاقات، ما زال التطبيق العملي يواجه عقبات، وقد ازدادت وتيرة الاحتقان في الآونة الأخيرة مع تزايد الحشود العسكرية في هذه الأحياء، ما استدعى عقد اجتماعات جديدة في حلب بيننا وبين الحكومة المؤقتة بهدف تفعيل اتفاق آذار”.
أما القضايا الأخرى، مثل التربية والمعابر والإعلان الدستوري المؤقت الصادر عن النظام السوري الجديد، فتقول اليوسف إنها “ما زالت قيد النقاش ولم تصل إلى توافقات نهائية”.
كيف ينظر الأكراد إلى السلطة الجديدة في سوريا!
توضح فوزة اليوسف موقفهم من السلطة الجديدة في دمشق قائلة: “نتعامل معها على أساس التعريف الدولي بكونها حكومة مؤقتة، وبما أنها الجهة التي تدير العاصمة دمشق فمن الطبيعي أن نتعامل معها كوننا جزء من سوريا”. وتضيف أن الوفد التفاوضي التقى بقياديين من وزراء معنيين، وسبق ذلك لقاء مع وفد مكلف من قبلهم، لكنها تشير إلى أن اللقاء مع السيد أحمد الشرع لم يتم.
وتشير اليوسف إلى أن الأحداث التي شهدتها السويداء أدت إلى تحركات دولية، “بعد أحداث السويداء تم تقديم مشروع قانون من قبل الكونغرس الأميركي لإعادة النظر بمسألة إلغاء العقوبات التي فرضها قانون قيصر، وأيضًا كان هناك تجديد لقرار الأمم المتحدة 2254 على إثر الأحداث”. وتعلق قائلة: “في البداية كان هناك خطاب متوازن إلى حد ما للسلطة الجديدة، لكن لأي درجة تم ترجمة الأقوال إلى أفعال! اضطرت كثير من القوى إلى إعادة النظر في شروط العلاقة مع دمشق”.
تشدد فوزة اليوسف على أهمية الحكم اللامركزي قائلة: “نحن نؤكد بشكل مستمر على وجوب أن يكون هناك حكم لامركزي، وأن يأخذ في الاعتبار خصوصيات كل منطقة”. وتوضح أن الأحداث في الساحل والسويداء أثبتت صحة رؤيتهم فيما يخص الحل السوري، مشيرة إلى أن السبب الرئيسي لما حصل في السويداء كان “الرغبة بالسيطرة الكاملة بدون أخذ الإرادة المحلية بعين الاعتبار، وهذا أدى للاصطدام”. وتضيف: “لو كانت هناك تفاهمات تأخذ بالاعتبار خصوصيات الوضع في السويداء، لتجنب السوريون ما حصل”.
وتؤكد اليوسف أن “جميع القوى، بما فيها السلطة الجديدة، يجب أن تستخلص الدروس مما حصل حتى لا يتكرر في منطقة أخرى في سوريا لأن هناك هواجس”. وتتابع: “كل حادث في سوريا يؤثر على كل المكونات السورية لأننا نعيش في نفس الجغرافيا ولدينا قضايا مشتركة سواء في الشام أو حمص أو الساحل أو السويداء، وكل ما يحصل في هذه المناطق يؤثر على مناطقنا، فمن الطبيعي ما حصل في الساحل والسويداء ترك أثر في المناطق الكردية وعلى المشهد السياسي السوري بشكل عام”.
تشير فوزة اليوسف إلى أنه “ليس هناك فروقًا كبيرة بين الفترة السابقة والحالية، ولكن الفرق الرئيسي هو أنه خلال حكم النظام السابق كانت اللقاءات سرية، بينما اليوم هناك لقاءات علنية، وفي السابق لم يكن هناك وساطات دولية، بينما اليوم هناك وساطة دولية”. وتضيف: “الشيء الإيجابي هو وجود نية للحوار من الطرفين”.
وتعلق اليوسف على العلاقات الإقليمية قائلة: “العلاقة مع العراق جيدة لأن الدولة العراقية نأت بنفسها عن الصراع، فعلى الأقل لم يقم بأمور سلبية تجاه أكراد سوريا ولم يتدخلوا بالشؤون السورية الداخلية”. وتوضح بشأن إيران: “لا توجد علاقة معها، وفي السابق كان هناك علاقة عملية على الأرض حيث كان هناك تواجد كردي وإيراني في مناطق متاخمة”.
دولة كردية أم الانضمام لسوريا!
تتطرق فوزة اليوسف إلى مسألة الدولة الكردية مقابل الانضمام إلى سوريا، قائلة: “الدولة لها مقومات، وفي سوريا لا توجد مقومات لإقامة دولة كردية، فالجغرافيا تمنع ذلك، وهناك تداخل مع العرب والسريان وغيرهم”. وتضيف: “نرفض الدول القومية ونصفها بالفاشلة لأنها فشلت في خدمة الشعب العربي، وتم صنعها غربيًا بعد الحرب العالمية الأولى، وحتى الدولة التركية فشلت وكذلك الدولة الإيرانية”.
وتوضح اليوسف طموحهم في بناء نموذج سياسي جديد: “نريد أن لا تكون الدول قومية، بل دولة الحقوق والحريات والمساواة والعدالة والمواطنة والديمقراطية، مع أنظمة حكم متنوعة”. لكنها تحذر من واقع الدول الحالية: “لكن دولنا تحولت إلى مطاحن تطحن الشعوب كما تطحن الحبوب، فالدول القومية تحولت إلى سرطان. الدولة السورية همشت الأكراد وكنا مواطنين من الدرجة الثالثة أو الرابعة، لكن الضرر لحق أيضًا بالعرب من هذه الدول القومية بفعل التهميش للمناطق والطوائف، فالتعصب استشرى في هذه الدول، مع الكرد تعصب قومي، مع السنة تعصب طائفي، مع العلويين تعصب طبقي، مع النساء تعصب ذكوري”.
وتشرح اليوسف عن النموذج الذي يسعون إليه: “نحن نسعى إلى نموذج حكم إنساني، وعقدنا الاجتماعي يلبي إلى حد كبير مطالبنا بالحريات، ولكننا في حالة حرب والتحديات كبيرة وهناك أخطاء ونواقص لأنها تجربة وليدة، ولم نصل بعد إلى النموذج الأمثل الذي نطمح إليه”.
حول ملف النفط، تشير فوزة اليوسف إلى أن “النفط لا زال يتدفق من المناطق الكردية إلى دمشق وتم تحديثها مع النظام الجديد وهناك عقد متبادل”. وتوضح: “نعتبر أن مسألة النفط هي آخر نقطة نناقشها، لأن هناك نقاط أكثر أهمية، ومنها نظام الحكم وضمان حقوقنا”. وتضيف اليوسف: “الثروات الطبيعية هي ملك لكل السوريين، لكن يجب أن يشمل ذلك توافق سياسي ودستوري، وهذا المهم بالنسبة لنا والقضية الأساسية”.
كيف تلقف الأكراد الدستور السوري الجديد؟
حول الدستور السوري الجديد، تنتقد فوزة اليوسف مضمونه قائلة: “ننتقد مضمون الدستور السوري الجديد لأنه، حسب رؤيتنا، لا يعبر عن طموح السوريين”. وتوضح أن “الدستور غير ديموقراطي، ويفتقر إلى الكثير من المقاييس المتعلقة بالحريات والجماعات، ولم تتم مشاركة المكونات في إعداده، ولا يعبر عن حقوق كل المكونات السورية”. وتضيف اليوسف: “هناك إجحاف بحقوق المرأة ودورها في الإعلان الدستوري، عدا عن وجود بنود كثيرة لا تنسجم مع أهداف الثورة السورية”.

صراع دولي إقليمي على سوريا!
توضح فوزة اليوسف أن “طموحنا أن لا نعود إلى حالة النظام السابق لأن سوريا عانت بما فيه الكفاية، لكن لا يمكننا الجزم أن كل مقومات الفوضى تم استئصالها وأزيلت الأخطار”. وتشير إلى أن “هناك صراع دولي وصراع إقليمي في سوريا، وكل هذه القوى تعمل لتوسيع نفوذها”.
وتعلق اليوسف على دور بعض الدول قائلة: “إيران غير مؤثرة في سوريا نتيجة المستجدات في المنطقة بشكل عام، لكن هناك دور تركي وإسرائيلي وعربي، وهناك صراع تركي إسرائيلي في سوريا وواضح للعيان، فالتصعيد بين تركيا وإسرائيل سببه الرئيسي الوضع السوري”.
“نحن نسعى إلى نموذج حكم إنساني، وعقدنا الاجتماعي يلبي إلى حد كبير مطالبنا بالحريات، ولكننا في حالة حرب والتحديات كبيرة وهناك أخطاء ونواقص لأنها تجربة وليدة، ولم نصل بعد إلى النموذج الأمثل الذي نطمح إليه”.
النظرة إلى تركيا!
تتحدث فوزة اليوسف عن دور تركيا في سوريا، قائلة: “تركيا لها نفوذ وتأثير في سوريا في الوقت الحالي، وهناك مشروع سلام يتم العمل عليه، ونراه خطوة إيجابية. ففي النهاية يجب مناقشة وحل القضايا بطرق سلمية، فلا يمكن الاستمرار بالتعامل بذات الأسلوب إلى أبد الدهر فهذا خطأ استراتيجي. والمهم أن يتم التعامل بذات الأسلوب مع كل القضايا وليس فقط فيما يتعلق بتركيا بل بالقضايا السورية الداخلية وأن تحل بطرق سلمية”.
وتنتقد اليوسف بعض ممارسات تركيا في الفترة الماضية، مشيرة إلى “الكيل بمكيالين من قبل تركيا، داخليًا تعكس رؤيتها بضرورة حل المسائل بطرق سلمية، لكن في نفس الوقت تهدد الأكراد في سوريا ومنها قسد وتهدد بالتدخل العسكري في حال فشلت المفاوضات بين الإدارة الذاتية ودمشق”. وتضيف: “أرى أن بإمكان تركيا أن تلعب دورًا إيجابيًا في المنطقة إذا ما حدثت تحولات ديموقراطية في تركيا نفسها وتم حل القضية الكردية في تركيا بشكل سلمي وعلى أساس ديمقراطي، مما سيؤثر على توجه تركيا بخصوص الأكراد في سوريا والعراق وإيران”.
وتعلق اليوسف على الدور السلبي قائلة: “تركيا كانت أول دولة تعترض على الاستفتاء في كردستان وعاقبت إقليم كردستان لفترة طويلة بسبب رفضها هذا الاستفتاء، علمًا أنه مسألة عراقية داخلية”.
تنسيق مع إسرائيل؟
تتطرق فوزة اليوسف إلى مسألة العلاقات مع إسرائيل، مشددة: “بغض النظر عن وجود أو عدم وجود علاقات مع إسرائيل، لكن تركيا لها علاقات استراتيجية مع إسرائيل”. وتتساءل اليوسف: “فلماذا يتم توجيه الاتهام إلى الأكراد في هذه المسألة؟!”، مشيرة إلى أن “الأتراك يدينون الحرب على غزة يوميًا، لكن في المقابل تضاعفت التجارة مع إسرائيل أربعة أضعاف، وحكومة دمشق فتحت قنوات تواصل مع إسرائيل، فلا وجود لأي مبرر منطقي لهذه المقاربة”. وتضيف: “نرى تركيا أنها تتحجج بحجج مختلفة في كل مرة من أجل تبرير موقفها العدائي تجاه الأكراد في المنطقة”.
“تركيا كانت أول دولة تعترض على الاستفتاء في كردستان وعاقبت إقليم كردستان لفترة طويلة بسبب رفضها هذا الاستفتاء، علمًا أنه مسألة عراقية داخلية”
العلاقة مع الأميركيين؟
حول العلاقة مع الولايات المتحدة، تشير فوزة اليوسف إلى أن “هناك استمرار للعلاقة مع الأميركيين خصوصًا في مسألة العمل المشترك ضد داعش، والمعنيون بالملف السوري من الأميركيين يلعبون دور الوسيط في تطوير الحوار مع دمشق”. وتوضح أن “هناك جهود أميركية في هذا المجال تريد استقرار سوريا، وتحاول تجنيبها أي صدام داخلي، وتعمل أيضًا على الوصول إلى نتائج ملموسة للحوار وتتويجه باتفاق مع دمشق”. وتضيف: “الأميركيون يشجعون العلاقة مع تركيا كجارة لسوريا وتربطهما حدود واسعة”.
اقرا ايضا: العدالة لا المصارحة والمصالحة هو الطريق للبنان الحديد

